الأدب الأسباني

الأدب الأسباني واحد من أغنى الآداب الأوروبية وأكثرها تنوعًا، فقد مزج الكتاب الأسبان بين الفردية القوية والانفتاح نحو تراث أوروبا الغربية والآداب الشرقية من خلال شمالي إفريقيا، ونتيجة لذلك أنتجوا ًا تميّزه الأصالة والواقعية.

كانت هناك فترتان تاريخيتان لهما تأثير خاص في الأدب الأسباني. فقد احتل الرومان شبه الجزيرة الأسبانية لفترة امتدت نحو 600 سنة بدءًا من القرن الثالث قبل الميلاد. وكان أهم ماورثته أسبانيا من ذلك الاحتلال اللغة اللاتينية الدارجة التي يتحدث بها عامة الناس. وقد ولدت اللغة الدارجة اللغات الرومانسية التي أصبحت ثلاث منها أكثر شيوعًا وهي اللهجة القشتالية والجاليسية ـ البرتغالية، والقطلونية. الأسبانية، اللغة. ومنذ سنة 700 حتي سنة 1400م تأثر الأدب الأسباني تأثرًا كبيرًا بالأدب العربي في الشعر والنثر.

بدأت أعظم فترات الأدب الأسباني في منتصف القرن السادس عشر الميلادي تقريبًا ودامت حتى أواخر القرن السابع عشر. وتمخضت تلك الحقبة، المعروفة بالعصر الذهبي، عن ازدهار القصة والشعر والمسرحية. وعاش ميغل دي سرفانتس، أشهر كاتب أسباني ومؤلف دون كيشوت في تلك الفترة.

العصور الوسطى

أدب العصر الوسيط المبكر.

نشأ الشعر الغنائي في أسبانيا مبكرًا في القرن العاشر الميلادي، وعرفت أولى قصائد الشعر الغنائي باسم الخَرجَة ؛ وهي لازمة قصيرة أضيفت إلى القصائد العربية والعبرية المعروفة بالموشحات .

اندثر الشعر الملحمي الأسباني القديم في معظمه، والقصيدة الوحيدة التي بقيت كاملة تقريبًا هي ملحمة السِّيْد وتحكي مغامرات بطل قشتالي، هو دريجوت ديث دي بيبار. وهذه الملحمة أكثر واقعية من الملاحم المنظومة في أقطار أخرى في العصور الوسطى. كُتبَت السِّيد في نحو عام 1140م أو ربما في أوائل القرن الثالث عشر.

وكان الشعراء المعروفون باسم خوجلار ينشدون القصائد الملحمية ويمثلون المشاهد الساخرة، التي عرفت باسم الألعاب الهزلية ، في ضواحي المدن. والمسرحية الأسبانية لم تكن معروفة جيدًا في بداية العصر الوسيط. وبقى منها فقط جزء من مسرحية دينية من أواخر القرن الثاني عشر هو مسرحية الرجال الحكماء الثلاثة . تأثر الشعر الغنائي الأسباني بشعراء التروبادور بجنوبي فرنسا. وإلى هذه الفترة ينتمي جونزالو دي بيرسو أول شاعر أسباني معروف كتب معجزات العذراء وهي مجموعة من القصائد في معجزات السيدة العذراء.

أسهم ألفونسو العاشر الملقب بالحكيم في تشجيع النثر الأسباني المبكِّر. ففي أواخر القرن الثالث عشر بدأت تحت إشرافه صياغة عملين تاريخيين مطولين: أسبانيا العام و التاريخ العام ، ويختص بتاريخ العالم. ودعم الملك أيضًا الاهتمامات العلمية والفلسفية لمدرسة مترجمي طليطلة، كما أنه نظم الأناشيد الجيليقية وهي ابتهالات للسيدة العذراء. ويشتمل أقدم أدب نثري أسباني على مجموعة من الحكايات الأخلاقية صيغت باللغة اللاتينية، نشرها بدرو ألفونسو عام1100م تقريبًا تحت عنوان تعاليم كهنوتية . وفي القرن الثالث عشر الميلادي، ترجم من اللغة العربية ولغات أخرى العديد من كتب الحكايات إلى اللغة الأسبانية، منها؛ كليلة ودمنة (1251م) وسندباد (1253م).

في أوائل القرن الرابع عشر الميلادي، بدأ النثر الأسباني يتخذ صبغة أشد تميّزًا بكتابات دون خوان مانول، ابن أخ ألفونسو الحكيم، ومن أشهر أعماله الكونت لو كانور ، وهي مجموعة من قصص الوعظ.

خلال القرن الرابع عشر الميلادي، بدأ شعر العلماء في الانحطاط. لكن خوان رويث، كبير كهنة مدينة إيتا القشتالية، حافظ بشكل ما على نسق شعر الأكليروس المطول في عمله الوحيد كتاب الحب الطيب (1330م) المزيد عام 1343م. وعرض الكتاب صورًا حية لعديد من دقائق الحياة في أسبانيا في القرن الرابع عشر الميلادي، مثل: الطعام والآلات الموسيقية والأغاني وشؤون العشق والعادات في الأديرة والحانات وابتكر رويث شخصية العجوز الشهيرة التي كانت تقوم بدور الوسيط بين العشاق في الأديرة.

القرن الخامس عشر الميلادي.

استمرت روح العصور الوسطى في العديد من القصص الخيالية ـ الرومانس ـ المجهولة المؤلف، ويرى بعض الباحثين أن تلك الأغاني كانت أجزاء من أناشيد ملحمية ألفت لتُغَنىَّ وحفظها التراث الشفهي من الاندثار في أسبانيا وأمريكا الأسبانية، والمغرب وبين اليهود الأسبان.

ومن أبرز شعراء القرن الخامس عشر الميلادي إنييجو لوبث دي منْدوثا المعروف بماركيز سانتييّانا، الذي نظم قصائد السوناتة على النهج الإيطالي والأشعار الرعوية المهذبة، وخوان دي منا الذي نظم متاهة القدر (1444م) متأثرًا بدانتي وعدد من الكتاب القدماء، وخورخه مانريكه، الذي كتب كوبلاس (1476م) وهي مرثية شجية راقية في موت أبيه.

وقعت في نهاية القرن الخامس عشر عدة أحداث لها أهمية أدبية. ففي عام 1473م، دخلت الطباعة أسبانيا، في مدينة سرقسطة أولاً في غالب الظن. وفي عام 1492م، نشر أنطونيو دي نبريخا النحو القشتالي، أول كتاب يوضع في قواعد لغة أوروبية حديثة. وخطا المسرح أولى خطواته نحو المأساة غير الدينية قبل عام 1500م، فكتب خوان دل إنثينا ولو كاس فرناندث مسرحيات عن أعياد النصارى مثل الميلاد والفصح جنبًا إلى جنب مع المأساة الشعبية والرعوية.

كما ظهرت اتجاهات أخرى جديدة في النثر الأسباني ككتاب سجن العشق (1492م) لدييجو دي سان بدرو، ورواية الفرسان تيران لوبلان بدأت كتابتها في 1460م ونشرت في 1490م، وقد ألفها، باللغة القطلونية، جوانوت مرتورل ومرتي جوان دي جلبا، ومن المرجح أن رواية الفرسان الطويلة أماديس الغالي، المعروفة منذ القرن الرابع عشر، طبعت لأول مرة عام 1508م وكان غرثي ردريغث دي منتلبو قد كتب أحد أجزائها. وفي أواخر القرن الخامس عشر، ظـهرت الرائعة الأدبية المعروفة باسم لاثليستينا، ونشرت أولى طبعاتها المعروفة عام 1499م، في شكل رواية حوارية مجهولة المؤلف. وظهرت فصولها الستة عشر تحت عنوان كوميديا كاليستر وملبييا. وبعد ذلك بسنوات ثلاث زيدت إلى 21 فصلاً. مؤلف العمل كله هو فرناندو دي روخس. وتجمع لاثِلْيستينا بين منظور القرون الوسطى اللاهوتي ومفهوم الحياة والحب في عصر النهضة.

العصر الذهبي

القرن السادس عشر الميلادي.

شاعت روح عصر النهضة الإيطالية في الأدب الأسباني في القرن السادس عشر. كان التعبير الأدبي خلال تلك الفترة في صراع دائم مع محاكم التفتيش وهي محاكم أقامتها الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، لمعاقبة من يخالف تعاليمها. في حين تأثر العديد من الأسبان ـ مثل خُوان لويس بيْبي والأخوان ألفونسو وخوان دي بالدسْ، بالمفكر ورجل الدين الهولندي ديزيدريوس أرازمس الذي عمل من أجل إصلاح الكنيسة.

الشِّعْر. في أوائل القرن السادس عشر، أدخل كل من خوان بوسكان وجرثيلاسودي لابغا عروضَ وأشكالَ وموضوعات شَعِرْ عصر النهضة الإيطالية، التي أثرت بسرعة في الشعر الأسباني، لكن كريستوبل دي كستييخو وجرجريو سيلفستر، كانا من بين الذين حافظوا على التقليد القشتالي في نظم الأبيات القصيرة. في النصف الثاني من القرن السادس عشر الميلادي، كانت هناك مدرستان شعريتان أسبانيتان: مدرسة سلمنقة القشتالية، ومدرسة أشبيليا الأندلسية. كتب شعراء كلتا المدرستين على نهج الشاعر الإيطالي بترارك. ومع هذا تميزت مدرسة سلمنقة وشعراؤها ـ وأهمهم الراهب لويس دي ليون ـ بشيء من الوداعة والكثير من الرزانة في استخدام الاستعارة، أما شعراء مدرسة أشبيليا ـ ومن أهمهم فرناندو دي أريرا ـ فإنهم، من خلال الصور النابضة بالحياة، اهتموا بالإمكانات الشكلية للغة، وهو ما أدَّى إلى أسلوب الباروك، في القرن السابع عشر الميلادي. ومظهر آخر مهم من مظاهر الشعر الأسباني في القرن السادس عشر الميلادي هو الشعر الغنائي التأملي الروحاني. ومن أبرز رواده: سان خُوان دي لاكروث والراهب لويس دي ليون والراهب لويس دي جرانادا. كما أسهمت الكاتبة ذات النزعة التأملية الروحانية سانت تريزا دي أبيلا بالعديد من المؤلفات النثرية.

النثر.

شاعت الرواية الرعوية خلال عصر النهضة. وما زالت روايتا ديانا (1559م) لجورج مونتمايو، وديانا العاشقة (1564م) لجسبار خيل بولو من أشهر الروايات الرعوية الأسبانية، إضافة إلى جالاتيا (1585م) أول عمل طويل لسرفانتس، وأركاديا (1598م)، التي كتبها لوبه دي بيجا.

غير أن روايات الصعاليك هي ـ إلى حد بعيد ـ أشهر ما أضافه عصر النهضة الأسباني إلى الأدب العالمي. ويرى هذا النوع من الروايات المجتمع بعين الصعلوك وعادة ماتنطوي على سخرية لاذعة أو موعظة أخلاقية، وأولى روايات الصعاليك في رأي النقاد، لثريو دي تورمس (1554م) وهي رواية مجهولة المؤلف صيغت في شكل سيرة ذاتية موجزة ويطرح هذا العمل تفسيرًا أخلاقيًا لمراحل (لثريو)، ويتسم بالحدة في هجائه للكنيسة على نحو خاص. غدت شخصية لثريو شخصية أدبية شهيرة كان لها تأثيرات لاحقة في أسبانيا وفي دول أوروبية أخرى.

المسرحية. أحرز المسرح الأسباني تقدمًا بطيئًا على مدى القرن السادس عشر الميلادي. نشر برتولومه توتس نارو، في عام 1517م مجموعة مسرحيات ومقدمة حول النظرية المسرحية، كما استحدث لوبه دي رودا نوعًا من المسرحيات الهزلية القصيرة أطلق عليها اسم باسو. وكان خوان دي لا كوبيا أول كاتب أسباني يستلهم موضوعات مسرحياته من تاريخ أسبانيا ومن الأغاني الشعبية.

القرن السابع عشر الميلادي.

كتب ماتيو ألمان رواية قزمان دي الفرتشيه (الجزء الأول عام 1599م، والجزء الثاني 1604م) أعظم روايات الصعاليك بعد لثريو وهي أكثر تفصيلاً منها وتعرض لرؤية أشد مرارة وتشاؤمًا، إذ ترى أنه لاتبديل للطبيعة البشرية ولا لظروف الحياة؛ كما كتب الشاعر والهجَّاء فرنشيسكو دي كبيدو رواية لاذعة متشككة، حياة المحتال (1626م) وذاع صيته بعمله الهجائي الأحلام (1627م).

وتقابل مثالية رائعة سيرفانتس الأدبية دون كيشوت (الجزء الأول عام 1605م؛ والجزء الثاني عام 1615م) واقعية الرواية الصعلوكية. ودون كيشوت ، قصة ذلك النبيل الريفي الذي يعد نفسه فارسًا، مفعمة بالدعابة والشفقة. وتقابل الرواية بين المفهومين المثالي والعملي للحياة، كما أنها تحلل التباينات بين الظاهر والواقع. بيد أن سرفانتس تَخَطَّى عصره حين وهب شخوصه وموضوعاته صفات عالمية تنطبق على البشرية جمعاء. ولم يشتهر سرفانتس ككاتب مسرحي رغم أن مسرحياته الهزلية ذات الفصل الواحد إنترمس من أفضل أعماله.

وأشهر كتاب المسرح في العصر الذهبي هو لوبي دي فيجا الذي برز كأديب تفرد بالموهبة وغزارة الإنتاج، كتب أعمالاً شعبية تمزج بين عنصري الهزل والمأساة. وموضوعات مسرحيات لوبي ذات أصول متنوعة فهو كمبدع وطني، تناول أحداثًا تاريخية ومجد الأبطال القوميين وأضفى على الحكام صفات مثالية واختصهم بالعدل. وبعض مسرحيات لوبي من نوع العباءة والسيف تتأسس على الحب والشرف كمنبعين للصراع المسرحي. ومن خير مسرحياته فوينت أوبخونا (1619م) والعقاب بلا انتقام (1634م). ومن أشهركتاب المسرح في هذه الفترة أيضًا تيرسو دي مولينا، الذي كتب محتال إشبيلية (1630م) ،وغيين دي كاسترو الذي ألف مسرحية شباب السيد (1618م؟) الشهيرة.

في أوائل القرن السابع عشر اتجه الفنانون إلى الإغراق في الزخرف وثقل الصنعة، ونتج عن ذلك أسلوب أطلق عليه الباروك . وفي أسبانيا، كان ثمة نموذجان لهذا الاتجاه وهما الكونثبتيسمو والكولترانيسمو وتميز النموذج الأول باستخدام بارع ومبهم للصورة والخطاب. وصاغ الكتاب استعارات معقدة، سميت أفكارًا لإبداع رؤى مركبة وأصيلة للحكاية. ويمثل هذا الاتجاه كل من كبيدو وبلتسار غرثيان بينما قاد لويس دي جونجورا حركة الكولترانيسمو لذا عرفت الحركة أيضًا باسم الجونجوريسمو . أبدع جونجورا شعرًا غنائيًا مفعمًا بالحياة والخيال والمؤثرات اللغوية الموسيقية وأضحت أشعاره الطويلة والمركبة، مثل بوليفمو وجالاتيا (1613م) وأغانيه ومنظوماته القصيرة نماذج لما استجد على الأدب من تطور.

وتأثرت المسرحية أيضًا بالأسلوب الباروكي. تربع بدرو كالديرون دولا باركا على عرش المسرح الأسباني خلفًا للوبي دي فيجا، ويعد أحيانًا أشد إتقانًا من لوبي في بناء حبكة مسرحه المعقدة. قام كالديرون بمسرحة أحلام الحياة وواقعها في عمله المتألق الحياة حلم (1635م). وطرق كالديرون في أغلب أعماله، موضوع الشرف والصراع بين الحب والغَيْرة وتؤكد مسرحياته التاريخية والدينية براعته الأدبية. استخدم كالديرون الرمز في مسرحياته اللاهوتية ليعبر، في شعر مهيب، عن تأملاته الفلسفية للحياة والموت والخطيئة الأصلية وحرية الإرادة. ومن أشهر مسرحياته اللاهوتية عشاء الملك بلتزار (1634م) و مسرح الدنيا العظيم (1649م).

الكلاسيكية المحدثة والرومانسية والواقعية

القرن الثامن عشر الميلادي.

أفل نجم أسبانيا، سياسيًا واقتصاديًا وفنيًّا، مع نهاية القرن السابع عشر. وفي عام 1700م توِّج فيليب الخامس الفرنسي ملكًا لأسبانيا ليدشن بداية حكم أسرة البوربون. وكان من المحتم على الأدب الأسباني أن يطرق مجالات جديدة بوجود حكام فرنسيين في البلاد وبداية عصر العقل في بقية بلدان أوروبا.

كانت حركة إحياء العلوم والآداب والفنون القديمة (الإغريقية والرومانية) هي التي تأثرت بالآداب الإغريقية والرومانية تأثرًا شديدًا، وهي أهم اتجاه أدبي في القرن الثامن عشر الميلادي. وحاول العديد من الكتاب الأسبان أن يهذبوا الأدب الأسباني طبقًا لمقاييس الكلاسيكية الفرنسية بتنقية الكثير من الأدب الباروكي والتكلف والصنعة اللفظية.

في ذلك الوقت اتجه عدد قليل من الكتاب إلى كتابة الرواية. والرواية الوحيدة الجديرة بالذكر هي قصة الواعظ الشهير، الراهب خرونديو دي كمباثس (الجزء الأول 1758م والجزء الثاني 1768م) لليسوعي خوزيه فرنشيسكو دي لا إسلا.

القرن التاسع عشر الميلادي.

ساد أسبانيا مناخ ليبرالي جديد إثر وفاة الملك المحافظ فرناندو السابع، عام 1833م وعاد الكتاب الرومانسيون من منفاهم في بلدان أوروبا يحملون مؤثرات جديدة. وأكد أنجل سافدرا، دوق رييس نجاح المسرح الرومانسي بمأساته العاطفية دون ألبرو أو حتمية المصير (1835م). وأصبحت مسرحية خوزيه زوريلا دون جوان تينوريو (1844م) من أنجح الأعمال المسرحية الأسبانية. ويعد مريانو خوزيه دي لارا من أبرز كتاب النثر الرومانسي الأسباني؛ فقد نشر مقالاته الثاقبة في الصحف اليومية لتنتقد العديد من مشكلات أسبانيا السياسية والاجتماعية والأدبية. ومن أهم شعراء أسبانيا في القرن التاسع عشر الميلادي: خوزيه دي أسبرونسيدا الذي كتب قصيدة طالب سلمنقة (1836-1839م) وغُستَابو أدولفو بكير الذي عدَّ دائمًا أرهف شعراء القرن الماضي حسًا والذي يمثل انتقال أسبانيا إلى الشعر الحديث.

في منتصف القرن التاسع عشر، ذاعت في أسبانيا مقطوعات نثرية قصيرة عن العادات والتقاليد الإقليمية. من أشهر كتَّاب هذه المقالات: مريانو خوزيه دي لارا، ورامون مسونيرو رومانوس، وسرافين إستبنث كالديرون. وهذا النوع من المقالات الذي أخذ اسم الكوسْتمْبرسمو هو نواة الرواية الواقعية المكتوبة في أواسط القرن التاسع عشر. نقلت شيشليا بو دي فابر، واسمها المستعار فيرنا ن كابالييرو، وصف العادات إلى الرواية في النورس (1849م). وكتب خوان بالرا، أحد أوسع كتاب القرن الماضي ثقافة، روايته النفسية المركبة ببيتا خيمنث (1874م).

وكتب الناقد الأدبي ليوبلدو آلاس، واسمه المستعار (كلارين) رواية امرأة القاضي (1884-1885م)، وهي من أهم روايات القرن التاسع عشر. بيد أن أكبر روائي أسباني في القرن الماضي وأفضل قصاص منذ سرفانتس هو بنيتو بيريز جالدوس وكتب 80 رواية و25 مسرحية. وتقوم معظم أعماله على أفكار تتعلق بالدين وبنية المجتمع. أبدع جالدوس شخوصًا عميقة وخاصة شخصياته النسائية كما نرى في رائعته فورتناتا وخاثنتا (1886-1887م). وتنم أعماله عن بصيرة نافذة في تناول مظاهر الحياة في مدريد.

القرن العشرون

جيل 1898م.

مجموعة من الكتاب ظهروا على الساحة الأدبية إبان فترة الحرب الأسبانية ـ الأمريكية، واضطلعوا بدورهم في تاريخ الأدب الأسباني. فبنهاية الحرب، عام 1898م فقدت أسبانيا آخر مستعمرات إمبراطوريتها الكبيرة فيما مضى، ودفع فساد الطبقة الحاكمة في أسبانيا وفقدان مستعمراتها فيما وراء البحار العديد من الأسبان إلى مراجعة ثقافة وحضارة الأمة.

وتمثلت المشكلة في: هل يستطيع التراث الثقافي الأسباني أن يتأقلم مع تقدم أوروبا الحديثة؟ وهل هو أصيل ومثمر إلى حد يكفل له البقاء؟ انبثقت عن تلك الدراسة للشخصية الأسبانية وللماضي، صحوة فلسفية وتاريخية وفنية تمخَّضت عن تعبير فني خصب.

وأهم هذا الجيل: ميجل ديه أونامونو الذي عبر عن أساه العاطفي والفلسفي في المعنى المأسوي للحياة (1913م) وفي شعره ورواياته، مثل: رواية الضَّبَاب (1914م) وعُدَّ أونامونو دائمًا سابقًا على الحركة الفلسفية المعروفة باسم الوجودية. وكتب خوسيه مرتينث رويث وصفًا رقيقًا وشجيًا لطبيعة أسبانيا وتاريخها. وكان بيو باروخا في مقدمة روائيي أسبانيا في أوائل القرن العشرين. من بين أعماله تلكائين المغامر (1909م) و شجرة المعرفة (1911م). ورسم شعر أنطونيو مَتْشادو بوضوح روح الريف في قشتالة. ولاح نثر رامون ماريا دل فال إنكلان الجميل والأصيل في روايته سوناتا الخريف (1902م) كما استحدث نوعًا من المسرحيات يقوم على أساس العبث والمبالغة أطلق عليه إسبربنتو من أشهرها مسرحية أضواء بوهيميا (1924م) التي رأى فيها أسبانيا مسخًا بشعًا للواقع. ومن رواد هذا الجيل فيلسوف ومؤرخ وناقد أدبي ذو شهرة عالمية هو خوسيه أورتيجا ي جاسيت، كما يجب ألا نغفل أسماء روائييْن ناجحيْن هما جابرييل ميرو ورامون بيريز دي أيالا.

الحداثة.

بينما كان جيل 1898م يحاول الكشف عن الروح الأسبانية، ظهر التجديد في الشعر الغنائي، عبر مدرسة أدبية تسمى الحداثة تأسست على يد الشاعر النيكاراجوي روبن داريو، والرمزيين الفرنسيين. وتجمع الحداثة بين ثراء الشكل والموسيقى والتعبير في اللغة الأسبانية بمفاهيم شعرية جديدة تحقق الخصوبة للشعر الغنائي؛ من بين من يمثلون هذه المدرسة: مانول متثادو وجرجريو مرتينت سييرا وخوان رامون خيمنت.

المسرحية.

سادت أعمال خاثنتو بنابنته المسرح الأسباني في أوائل القرن العشرين ومن أهم أعماله: عبيد المصلحة (1907م) و زهرة العاطفة (1913م) ومن أشهر كتاب المسرح في تلك الفترة الأخوان سرافين وخواكين كنتيرو اللذان كتبا مسرحيات مسلية عن الحياة الأندلسية، وكارلوس آرنتش وبدرو مونيوث سكا.

جيل 1927م.

خلال عقدي العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين اتجه العديد من الشعراء إلى شعر التراث الشعبي أو إلى الجونجوريسمو، لينهلوا منه. وعرف هؤلاء الشعراء، الذين احتفلوا بمرور 300 عام على وفاة لويس دي جونجورا عام 1627م بجيل 1927م. وضم بدرو سالينس وخورخه غيين وليون فليبه وفيدريكو جارسيا لوركا ودمسو ألونسو ولويس ثرنودا ورفائيل ألبرتي وبيثينته أليكسندره، وفيدريكو جارسيا هو أيضًا أبرز كتاب المسرح في تلك الفترة. فقد كتب ثلاثة أعمال مأساوية غنائية مؤثرة عن حياة الريف عُرس الدم (1933م) ويرما (1934م) و بيت برنارد ألبا (1936م).

الأدب الأسباني اليوم.

أحدثت الحرب الأهلية الأسبانية (1936-1939م) قطيعة في مسيرة الأدب الأسباني، فقتل بعض الكتاب في الحرب وأهمهم لوركا، ونفي بعضهم الآخر. واستلزم عالم الأدب بعضًا من الوقت ليضمد جراحه. واصل كثير من الكتاب من بينهم الروائيان فرنثيسكو أيا لا ورامون سندر والكاتب المسرحي الخاندرو كاسونا كتاباتهم في المنفى. بعد الحرب نشرت رواية كميلو خوزيه ثلا بسكوال دوراته (1942م) ثم رواية كارمن لافورت لاشيء (1944م) ثم رواية ثلا الخلية (1951م).

في منتصف القرن العشرين ظهر العديد من الأدباء الشبان، الذين اتسمت أعمالهم في بادئ الأمر بالواقعية بيد أنهم اتجهوا فيما بعد صوب مساحات أشد جرأة وتجريبية. من بين أفضل الروايات بعد منتصف الخمسينيات من القرن العشرين نهر الخراما (1956م) لرفائيل سانشث فرلسيو، وزمن الصمت (1962) للويس مرتين سانتوس وخمس ساعات مع ماريو (1966م) لميجل دليبس وانتقام الكونت بليان (1970م) لخوان جويتيسولو وإن قالوا لك إني سقطت (1973م) لخوان مرسيه والحقيقة في قضية سفولتا (1975م) لإدواردو مندوثا والحجرة الخلفية (1978م) لكارمن مرتين جيته.

يمثل مسرح هذه الفترة مؤلفون شديدو التباين في أساليبهم. فكتب ميجل ميورا أعمالاً هزلية مرحة ودشن أنطونيو بويرو باييخو الاهتمام الجديد بالمسرح الجاد، في مسرحيته قصة سلم (1949م) وكتب ألفونسو ساستره مسرحيات فلسفية وسياسية. وذاعت شهرة ألفونسو باسو بما أنتجه من ملهاة اجتماعية. وحظيت مسرحيات فرناندو أربال التجريبية المثيرة للجدل باهتمام عالمي. وكتب خوزيه مرتين ركوردا أعمالا جادة حول القيم في المجتمع الأسباني.

اتجه شعراء مابعد عام 1939م نحو أشكال أبسط في التعبير من تلك التي كان يفضلها شعراء جيل 1927م. فقد كتب خوسيه لويس كانو وديونيسيو رودريخو شعرًا رصينًا معبّرًا وعكس جبرييل ثلاثا وبلاس دي أثيرو وآخرون همومًا اجتماعية في شعرهم. وهناك آخرون أقل التفاتا إلى الواقعية الاجتماعية، من بينهم كلاوديو ردريجث وكارلوس بوسونيو. أما شعراء الجيل الجديد، والمعروفون باسم نوفيسيموس فطرحوا جانبًا الهموم الاجتماعية واهتموا بقضايا ذاتية وشخصية وفكرية. من شعراء هذا الجيل: جيلير كارينرو ولويس أنطونيو دي بيينا.

أسئلة

  1. كيف أثر الكُستُمبْريسْمو في رواية نصف القرن الماضي؟
  2. ما الخرجة ؟
  3. من أهم كاتبيْن مسرحييْن في العصر الذهبي؟
  4. ما خصائص روايات الصعاليك؟
  5. ما جيل 1898م؟
  6. كيف أسهم ألفونسو الحكيم في أدب العصر الوسيط الأسباني؟
  7. ما الكولترانيسمو والكونثبتيسمو؟
  8. فيم تختلف ملحمة السِّيد عن ملاحم العصور الوسطى الأخرى؟
  9. متي بدأت الكلاسيكية المحدثة في الأدب الأسباني؟
  10. لماذا اتخذ الأدب الأسباني اتجاهات جديدة في القرن الثامن عشر الميلادي؟
الأسباني، الأدب
  • 2.00 / 5 5
  كيف وجدت هذا المقال؟  
طباعة هذه المقالة طباعة هذه المقالة