النيران الجامحة كنيران المنزل أعلاه، يمكن أن تكون مصدراً لدمار خطير. مثل هذه النيران تقتل ألافًا من الناس وتدمر الممتلكات كل عام. يطفئ الماء النار بتبريد المواد المشتعلة.

النّار الحرارة والضوء المنبعثتان من المواد المشتعلة، استخدمها الإنسان في بداية اكتشافه لها في التدفئة، وبتقدم المدنية تعلم كيف يستخدمها في مجالات أخرى عديدة. فقد تعلم الإنسان كيف يستخدم النار في طهي الطعام، وتشكيل الأسلحة والمعدات المختلفة، وتحويل الطين إلى أوان خزفية، وكذلك للإضاءة. وقد استخدم الانسان الأول طرقا بطيئة للغاية لإشعال النار.

ونحن اليوم لم نحسن فقط طرق إشعال النار وإنما أصبحنا نستخدمها في مجالات أكثر؛ فالنار توفر الطاقة اللازمة لإدارة الآلات وتشغيل الصناعات. كما تقوم بتوفير الطاقة اللازمة لتسيير القطارات والسفن والطائرات وتوليد الكهرباء. وتستخدم النار أحيانا لحرق نفايات المواد المختلفة والتخلص منها. بالإضافة إلى ذلك فهي تستخدم في فصل أغلب المعادن من خاماتها، وكذلك في طرق وسحب المعادن لتشكيلها إلى مفيدة.

تتعدد الفوائد الناجمة عن استخدام النار إذا كان مُتحكَّمًا فيها. وعدم المقدرة على التحكم في النار قد يتسبب في مقتل الآلاف من البشر، وتدمير الآلاف من الممتلكات كل عام. فقد أحرقت النيران أجزاء كبيرة من مدينة لندن عام 1666م، ومن مدينة شيكاغو عام 1871م وكذلك من مدينة طوكيو عام 1923م. كما تتلف النيران مساحات شاسعة من الأشجار والأعشاب كل عام.

تعريف النار

أثبت الكيميائي الفرنسي أنطوان لافوازيه عام 1777م أن الاشتعال يأتي نتيجة الاتحاد السريع للأكسجين مع المواد الأخرى. لافوازيه، أنطوان لوران. ويسمى الاشتعال أيضاً الاحتراق. وغالبًا ما يتحد الأكسجين مع المواد بمعدل بطيء بحيث ينبعث القليل من الحرارة ولا يصدر عن العملية أي ضوء. وتسمى هذه العملية بالأكسدة بدلاً من الاشتعال أو الاحتراق. وتحدث الأكسدة كلما اتحد الأكسجين مع المواد الأخرى سواء كان ذلك بمعدل سريع أو بطيء. يتحد الأكسجين على سبيل المثال مع البترول بمعدل سريع، وينبعث عن ذلك حرارة وضوء. ويمكن وصف هذه العملية بأي من الكلمات الثلاث الاشتعال والاحتراق والأكسدة. وعندما يتحد الأكسجين مع الحديد وينتج الصدأ، فإنه لا يحدث اشتعال أو احتراق، بل تحدث أكسدة فقط.

أنواع النار.

لا تشتعل جميع المواد بطريقة متشابهة. فالفحم النباتي مثلاً تصدر عنه حرارة عند الاشتعال مع وهج خافت، في حين أن مواد أخرى كالفحم الحجري والغازات والمغنسيوم والزيت والخشب تنبعث منها حرارة ولهب. ويتوقف لون اللهب أساسا على نوع الماده المشتعلة ودرجة حرارتها.

يمكن أن تشتعل المواد بطرق مختلفة، ولكنها جميعا تحتاج إلى الأكسجين اللازم لعملية الاشتعال. يحدث أحياناً أن تتبلل خرق القماش البالية بالزيت أو الطلاء وتُرمى جانبا وتهمل، فيتحد أكسجين الهواء ببطء مع الزيت الذي بلل الخرق. ولن تكون هناك نار في البداية، ولكن مع التأكسد البطيء قد يتجمع قدر من الحرارة يكفي لإشعال الخرقة. وهذا النوع من الاشتعال يسمى الاشتعال التلقائي، ويعد مصدراً لعدد كبير من الحرائق.

وقد تحدث انفجارات بسبب الاحتراق بمعدل سريع جداً كتلك التي تحدث نتيجة اشتعال الديناميت والبارود، وهنا تحدث الأكسدة بمعدل سريع جداً بحيث تنطلق كميات ضخمة من الغازات تحتاج إلى شَغْل حيز أكبر مئات المرات، مما كان يشغله البارود أو الديناميت قبل حدوث الأكسدة. وتتمدد هذه الغازات بسرعة وعنف فينتج عنها الانفجار.

كيف تتولد النار.

هناك ثلاثة شروط لابد من توفرها قبل الحصول على النار، أولاً: لابد من وجود وقود أو مادة قابلة للاشتعال. ثانيًا: لا بد من تسخين الوقود إلى درجة حرارة الاشتعال، وهي أقل درجة حرارة يمكن أن يبدأ عندها الاحتراق ويستمر. وثالثًا: لا بد من توفر الأكسجين بقدر كبير، وعادة نحصل عليه من الهواء المحيط.

والوقود ثلاث أنواع صلب وسائل وغازي. فالفحم والخشب أمثلة للوقود الصلب، والزيت والبترول أمثلة للوقود السائل. أما الغاز الطبيعي والهيدروجين فهما أمثلة للوقود الغازي.

ويتوقف اشتعال الوقود الصلب عادةً على شكله. فمثلا قد لا يمكن إشعال قطعة كبيرة من الخشب باستخدام عود ثقاب، ولكن فرعا صغيراً من الشجرة نفسها يمكن أن يشتعل بسهولة باستخدام عود الثقاب نفسه. والسبب في ذلك أن الحرارة تأخذ طريقها إلى داخل كتلة الخشب، التي لاتستطيع المحافظة على درجة حرارة عالية تسمح لها بالاشتعال. ولكن عندما يشتعل عدد من هذه الكتل الخشبية مجتمعة تنساب الحرارة من كتلة إلى أخرى، وتحافظ على استمرار الاشتعال. وهذا يفسر لماذا يسهل بدء الاشتعال باستخدام شظية أو نشارة خشب.

وتختلف درجة حرارة اشتعال أنواع الوقود بعضها عن بعض. فلكي يشتعل الوقود الصلب أو السائل لابد من تسخين بعض الوقود أولا إلى درجة الحرارة التي عندها يبدأ تبخُّره (تحوله إلى غاز). وعادة تكون درجة حرارة اشتعال المواد الصلبة أعلى من درجة حرارة اشتعال السوائل، لأنها تتبخر عند درجة حرارة أعلى. فمثلا درجة حرارة اشتعال أغلب أنواع الخشب والبلاستيك تترواح بين 260°م و480°م في حين أن وقودًا كالبترول يشتعل عند درجة حرارة مننخفضة تصل إلى -38°م. بالإضافة إلى ذلك فإن لكل وقود درجتي حرارة اشتعال يمكن عند إحداهما أن يتم الاحتراق بمساعدة مصدر خارجي للطاقة مثل عود الثقاب. ويحدث الاحتراق التلقائي عند درجة حرارة أخرى أعلى أي أنه يمكن أن يبدأ الاشتعال بدون حاجة إلى مساعدة خارجية.

التحكم في النار ضرورة من الضرورات المهمة في العديد من العمليات الصناعية خصوصًا الصلب، كما هو موضح بالصورة. يعمل اللهب شديد الحرارة على صهر الحديد الخردة وخام الحديد وخامات من مواد أخرى في أفران مفتوحة لإنتاج الحديد.

كيفية سريان النار.

تنتج الشمعة المشتعلة في حجرة ليس فيها تيارات هوائية لهباً مستقراً. وتعمل حرارة اللهب على تبخير قدر من الشمع يكفي لكي يستمر اللهب مشتعلا بارتفاع ثابت.

من ناحية أخرى فالنار الهائجة غير المتحكم فيها تغذي نفسها عن طريق تبخير المواد الصلبة أو السائلة التي تجدها في مسارها. فحريق أو غابة قد يبدأ بمواد سهلة الاشتعال، وعندما تكبر النيران فإنها تشع حرارة أكثر، وهذه الحرارة تسهم في زيادة الحريق. تزداد هذه العملية وتتسع كلما توفَّر الوقود والأكسجين. ففي حرائق المنازل توجد ظاهرة معروفة باسم اللهيب الساطع تحدث عندما تصل درجة حرارة جميع الأسطح في الحجرة إلى درجة الاشتعال. عند هذه النقطة نجد أن قدراً ضئيلاً من النار يشعل بقية المواد فجأة تمتلئ الحجرة باللهب. عند احتراق الغابات توفر عادة أوراق الأشجار وأفرعها والمواد الأخرى الموجودة على الأرض الوقود اللازم. ويمكن أن تتسبب الرياح وأنواع معينة من التضاريس الأرضية في انتشار حرائق الغابات على قمم الأشجار. ولأن النيران يمكن أن تكبر بسرعة وفجأة، فلابد من طلب رجال مكافحة النيران المحترفين في الحال لإطفائها. فرقة الإطفاء.

ويمكننا التحكم في نيران الأفران عن طريق تنظيم إمدادات الوقود والأكسجين التي تصل إلى الفرن. ولكن الرياح ومعدل سريان الهواء المتولد من النيران وحدهما يمكنهما تنظيم معدل الاشتعال في النيران غير المتحكم فيها.

المواد غير القابلة للاحتراق.

توحي عبارة غير قابلة للاحتراق بأن مادة ما قد عولجت بمادة أخرى تمنعها من الاحتراق. ولكن لا توجد مادة في الحقيقة غير قابلة للاحتراق. فحتى المواد التي لا تحترق مثل الخرسانة والحجر يمكن إتلافها بالنيران الشديدة.

غير أن المواد يمكن أن تعالج بمواد أخرى مؤخرة للاحتراق أو الاشتعال، وتقلل من قابليتها للاشتعال. وأغلب هذه المواد تعمل على رفع درجة حرارة الاشتعال لهذه المواد، أو تقليل الحرارة الناتجة من الاحتراق. مثل هذه المعالجة يمكن أن تبطئ الاحتراق لكنها لا تلغيه. التصميد للنار.

النار كانت تتولد في البداية بوساطة الاحتكاك . في هذه الطريقة تُفرك عصا على خدش محفور في عصا أخرى كما هو موضح حتى يحدث توهج.

طرق بدء إشعال النيران.

هناك عدة طرق لبدء إشعال النار، ولكن في كل طريقة لابد من توفر الشروط الضرورية الثلاثة للاشتعال. قبل اختراع عود الثقاب استخدمت طريقة الفولاذ والظر. تحتاج هذه الطريقة إلى قطعة من الفولاذ وقطعة من الفلنت (صخر صلب) وفتيلة. هذه الفتيلة كانت تصنع عادة من القطن أو الكتان أو من قشرة جذع بعض الأشجار بعد تنشيفها وسحقها. وقد كانت الفتيلة تسخن في فرن حتى تصبح جاهزة للاحتراق ثم توضع في صندوق يحفظها جافة تماما. عند البدء في إشعال النار توضع الفتيلة على الارض ويُضرب الفولاذ بالظر، فينبعث بعض الشرر الذي يصل إلى الفتيلة ويعمل على إشعالها.

هناك طريقة أخرى قديمة لبدء الاشتعال، وهي طريقة الاحتكاك. تقوم هذه الطريقة على تحريك العصا في داخل حفر مخدوش عل لوح حتى يتوهج مسحوق الخشب الذي نتج عن الاحتكاك. ويتم توفير قدر من الأكسجين يكفي لتحويل الوهج إلى لهب بالنفخ بعناية على الأجزاء المتوهجة من المسحوق.

وقد اكتشف الصيدلي الإنجليزي جون ووكر أول عود ثقاب عام 1827م. وكان طرف عود الثقاب يُغطَّى بطبقة من خليط كبريتيد الأنتيمون (الإثمد) وكلورات البوتاسيوم التي تُثبت على عود الثقاب الخشبي بوساطة الصمغ العربي والنشا. عند تحريك هذا الطرف على سطح خشن يولِّد الاحتكاك قدراً كافيا من الحرارة لاشتعال الكيميائيات. عندئذ تُولِّد المواد الكيميائية المشتعلة قدرا من الحرارة كافياً لإشعال عود الثقاب. وقد طُوِّر عود الثقاب فيما بعد إلى أنواع أكثر أمانا وكفاءة. عود الثقاب.

ما الذي ينتج عن النار

كثيرًا ما يصبح قاع الإناء أو المقلاة أسود عند وضعه على النار. يحدث هذا التغيير في اللون نتيجة تكون الهباب. هذا الهباب هو أساسًا كربون غير محترق. ويتغطى سطح المقلاة بالهباب لأن هذا السطح يخفض من درجة حرارة اللهب ويمنع درجة الحرارة من الارتفاع بحيث يكتمل اشتعال الوقود. فالفرن الذي تنتج عنه كمية كبيرة من الهباب يكون فيه بعض كربون الوقود غير تام الاحتراق، فهو مهدر. ويمكن علاج هذه المشكلة بتوفير القدر الكافي من الهواء لكي يحترق كل الكربون في الوقود.

الغازات.

تكون المواد التي تحترق في الهواء غالبًا، مكوَّنة من عنصرين هما الكربون والهيدروجين أو مركباتهما. فمثلاً الفحم الحجري وفحم الكوك والفحم النباتي أغلبها كربون. والغاز الطبيعي والبترول وزيوت الوقود تتكون من العديد من مركبات الهيدروجين والكربون. فعند احتراق الفحم الحجري وفحم الكوك على سبيل المثال يتحد أكسجين الهواء مع الكربون والهيدروجين لتكوين غاز ثاني أكسيد الكربون وبخار الماء. وتمتزج هذه مع الهواء وتختفي. وينتج عن اتحاد الأكسجين مع الهيدروجين والكربون الحرارة ولهب النار.

وكثيرًا مايتكون غاز سام يسمى أول أكسيد الكربون عندما لا يكون هناك أكسجين بالقدر الكافي لاشتعال الوقود بأكمله. فمثلا عندما يحترق البترول في محرك السيارة، يتكون بعض من هذا الغاز، ويخرج عن طريق أنبوب العادم. فإذا كنت في جراج مغلق عند حدوث ذلك فقد تستنشق بعضا من هذا الغاز، ونتيجة ذلك قد تحدث الوفاة. ولهذا لا ينبغي إطلاقا تشغيل السيارة في مكان مغلق.

أغلب الأفراد الذين يتوفون نتيجة الحرائق في المنشآت يموتون بسبب استنشاق غاز أول أكسيد الكربون. وينتج هذا الغاز من النيران الهادئة، ومن نقص الأكسجين عقب اللهيب الطافح.

الدخان خليط من الهباب وجسيمات أخرى مع الغازات الناتجة عن الاحتراق، والدخان الناتج من النيران يمكن أن يحتوي على أول أكسيد الكربون وغازات سامة أخرى. والهباب والجسيمات تضعف الرؤية، وبالتالي تزيد من صعوبة الهروب من النيران. وعموما ينتج الدخان عند الاحتراق غير المكتمل الذي يهدر الطاقة ويلوث البيئة.

الضوء.

تكون أغلب الطاقة الناتجة من النيران على شكل حرارة، وجزء منها يكون على شكل ضوء. وينتج الضوء إما لأن جسيمات الكربون في اللهب تصل إلى درجة حرارة تتولد عندها ضوئية، أو لأن الغاز المحترق من نوع ينبعث عنه الضوء.

استخدم الإنسان النار منذ أن اكتشفها مصدرًا للإضاءة. وفي البداية استخدم الانسان قطعاً ملتهبة من الخشب مصدرًا للإضاءة، وبعد ذلك اكتشف الإنسان أنه إذا ما غمس الخشب في القار يستمر الضوء المنبعث مدة أطول، ويكون أكثر سطوعا. وبعد ذلك بسنوات صب الإنسان الزيت في أطباق ووضع فيها فتيلة وأشعل الفتيلة فصدر عنها ضوء أفضل. ثم اكتشفت الشمعة التي أمكن للإنسان أن يحملها معه بسهولة. ثم اكتشف مصباح البارفين (الكيروسين) بمدخنته التي تساعد على التحكم في تيارات الهواء، فكان تحسينا كبيرا على الشمعة. وعندما أصبحت الكهرباء صالحة للاستعمال، أرسل المكتشف الأمريكي توماس أديسون تياراً كهربائيا خلال سلك من الكربون فارتفعت حرارته حتى ابيض وانبعث منه الضوء.

النار في العقائد والأساطير القديمة

لعل اكتساب إنسان ماقبل التاريخ معرفته بالنيران قد جاء من ملاحظته أشياء في الطبيعة مثل البرق والنار المتولدة من البراكين وحرارة الشمس. ولابد أنه قد لاحظ الشرر الذي يصدر عندما تتصادم بعض أنواع الحجارة مع بعضها، أو عندما تضرب حوافر الحيوانات بعض المواد الصلبة.

يحكي الأدب الفارسي قصة اكتشاف النار في قتال مع التنين. ومؤدَّاها أن أحد الحجارة التي استخدمها البطل سلاحًا لم تصب الحيوان الفظيع وإنما اصطدمت بالصخر، فتولد عنها ضوء باهر وبهذا شاهد الإنسان النار لأول مرة. ويحتوي تراث أغلب الشعوب القديمة على حكايات عن أحداث خارقة للعادة أو أحداث غير مقصودة قادت لمعرفة الإنسان بالنار.

كانت الشعوب القديمة تعد النار من النعم التي أنعمت بها الآلهة. وقد كانت تعتبر من المقدسات لأنها ضرورة حتمية لرفاه الإنسان واستمرار حياته. وقد عُرفت عبادة النار وعبادة الشمس منذ العصور الأولى. ونظراً لصعوبة توليد النار أصبح من المألوف الاحتفاظ بمصدر للنيران يكون مشاعًا ودائم الاشتعال. وقد وجدت مصادر النار هذه في كل قرية عند قدماء المصريين والفرس والإغريق والرومان. وكثيرا ماكانت هي المركز المدني للمجتمع.

يعد معبد فستا في روما مثالاً بارزاً لأهمية النار عند الرومان. وقد كانت فستا في الأصل إلاهة المدفئة عندهم. وكان محرابها في كل بيت. ولكن عندما أصبح الدين تحت رعاية الدولة أقيم معبد احتفظ فيه بالنار المقدسة مشتعلة باستمرار. فستا.

النار
  • 0.00 / 5 5
  كيف وجدت هذا المقال؟  
طباعة هذه المقالة طباعة هذه المقالة