سيجموند فرويد

فرويْد، سيجْمونْد (1856 – 1939م). طبيب نمساوي حقق ثورة في الأفكار الخاصة بكيفية عمل عقل الإنسان. أسّس فرويد نظرية سيطرة الدوافع غير الواعية على كثير من السلوك مما ساهم كثيرًا في توسيع مجالات .

ولد فرويد في فريبرج، مورافيا ـ بتشيكوسلوفكيا (السابقة) وكان أكبر إخوته الثمانية. وعند بلوغه الرابعة انتقلت عائلته إلى فيينا، عاصمة النمسا. وتخرج فرويد في كلية الطب، بجامعة فيينا عام 1881م. وفيما بعد قرر التخصص في علم الأعصاب لدراسة وعلاج اضطرابات الجهاز العصبي.

ذهب فرويد إلى فرنسا عام 1885م ليدرس ـ تحت إشراف عالم الأعصاب الشهير مارتن شاركو ـ ثم عاد إلى فيينا عام 1886م وبدأ في العمل على نحو واسع في علاج مرض الهيستريا. واستخدم فرويد منهج التحليل النفسي في نظرياته وطرقه في العلاج. واجتذب مجموعة من التلاميذ، وبحلول سنة 1910م ذاعت شهرة فرويد في الغرب.

كان فرويد يعدِّل آراءه باستمرار. وفي عام 1923م نشر نسخًا معدلة للعديد من نظرياته الأولى. وفي نفس العام عرف أنه مصاب بسرطان الفم. لكنه بالرغم من ذلك واصل عمله. وعندما سيطر النازيون على النمسا في عام 1938م هرب مع عائلته إلى إنجلترا وتوفي هناك متأثرًا بمرض السرطان.

كتب فرويد عدة أعمال أهمها تفسير الأحلام (1900م)؛ مقدمة في التحليل النفسي (1920م). وتعتبر نظرياته في السلوك والعقل ومنهجه في العلاج أساس علم النفس الحديث.كما يُعتبر فرويد من أكثر المفكرين تأثيرًا في التاريخ. فقد غيرت أبحاثه وكتاباته الطريقة التي كان الناس ينظرون بها إلى الطبيعة الإنسانية.

وقد اختلف بعض علماء النفس والأطباء النفسيين مع فرويد فيما أورده من أفكار، من ذلك: 1- أن آراء فرويد افتراضية وليست من الحقائق النفسية أو المبادئ العلمية التي أثبتتها التجارب. 2- اعتمد فرويد في آرائه على الحالات المرضية الشاذة التي كان يعالجها، ويكمن الخطأ العلمي في التعميم الذي أطلقه فرويد إذ أخذ يفسر السلوك المتزن العادي لدى الأسوياء في ضوء ما عاينه من السلوك الشاذ عند المصابين. وقد أخذ زملاؤه وتلامذته عليه هذا الخطأ في التعميم، وانفصلوا عنه، وعارضوا أفكاره.

نظرياته

عن السلوك.

لاحظ فرويد أن عددًا كبيرًا من المرضى كانوا يتصرفون وفقًا لدوافع وتجارب لم يكونوا في حالة وعي بها. ومن ثَمَّ فقد اقتنع بأن اللاوعي يؤدي دورًا رئيسيًا في تشكيل السلوك. وبالإضافة إلى ذلك فقد توصل إلى أن العقل اللاواعي مليء بذكريات لأحداث حدثت منذ الطفولة الأولى، وقد تعود هذه إلى أول عهد الطفل بالحياة. ولاحظ فرويد أنه لو كانت هذه الذكريات أليمة فإن الناس كانوا يحتفظون بها خارج نطاق الوعي. وكان يستعمل مصطلح آليات الدفاع أو الحيل الدفاعية للطرق التي كان يستخدمها الناس في ذلك. وكان فرويد يرى أن المرضى يستخدمون كميات كبيرة من الطاقة لتكوين آليات الدفاع. وقد يؤثر ربط الطاقة في آليات الدفاع على قدرة الشخص في أن يعيش حياة منتجة، وقد يصاب بمرض يسميه فرويد العصاب (مرض الاضطراب العصبي الوظيفي).

وتوصل فرويد أيضًا إلى نتيجة مفادها أن كثيرًا من ذكريات الطفولة لها علاقة بالجنس. ويزعم في إحدى نظرياته بأن العمل الجنسي يبدأ منذ الولادة، وأن الإنسان يمر بمراحل نفسية (سيكلوجية) عدة من النمو الجنسي. وخلال فترة هذا المرور من الجنس الوليدي إلى بلوغ الرشد الجنسي فإن المرء يكتشف عدة اكتشافات بنفسه، ويتعلم التحكم في غرائزه .

كان فرويد يرى بأن النمط الطبيعي للنمو الجنسي يصادف بعض الاضطراب في بعض الأشخاص، وأن هؤلاء الأشخاص يثبتون في طور يوجه الرغبة الجنسية نحو شكل طفولي من أشكال الإشباع في مرحلة مبكرة غير ناضجة. وكان يشعر بأن هذا الشكل الطفولي من أشكال الإشباع الجنسي، قد يسهم في مرض عقلي عند بلوغ سن الرشد.

عن العقل.

قَسَّم فرويد العقل إلى ثلاثة أقسام: 1- الـ هو والـ هي أي ذلك الجانب اللاشعوري من النفس الذي يعتبر مصدر الطاقة الغريزية أو البهيمية 2- الذات أو الأنا 3- الذات العليا أو الأنا العليا. ويرى فرويد أن كل إنسان ولد بغرائز متنوعة مثل الدافع لإرضاء الجوع، والدافع لإشباع الاحتياجات الجنسية. أما الذات فهي الممثل العقلي لهذه الغرائز البيولوجية. ولا تفرِّق الذات بين العقل الداخلي والبيئة الخارجية. فمثلاً تثير الأنا أو الذات دوافع الأكل، ولكنها لا تميِّز بين صورة عقلية للطعام والطعام ذاته.

وتُميِّز الذات بين العقل الداخلي والحقيقة الخارجية، وتتحكم في السلوك الذي يقرِّب بين الصور العقلية والعالم الخارجي. فمثلاً توجه الذات شخصًا جائعًا للبحث عن طعام حقيقي وأكله.

أما الذات العليا فتتحكم في السلوك الخلقي، وهي التمثيل العقلي لقانون أخلاق المجتمعات. وتهدف الذات العليا إلى الحدّ من السلوك القائم على دوافع الذات.

وفي الأشخاص الأصحاء عقليًا تعمل أقسام العقل الثلاثة في تناسق تام. ولكن، في بعضهم الآخر فإن هذه الأقسام قد تتعارض. فمثلاً قد تعارض الذات العليا كافة السلوك الجنسي، وبهذا تمنع إنجاز دوافع الذات الجنسية. وفي مثل هذه الحالات قد تحدث بعض الاضطرابات النفسية.

عن العلاج.

عالج فرويد في أول أمره أولئك الذين يعانون الاضطرابات النفسية الوظيفية عن طريق التنويم المغنطيسي ـ وهي الطريقة التي تعلمها من تشاركوت. ولكنه عدّل هذه الطريقة بعد عدة سنوات، وكان فقط يجعل المرضى يتكلمون حول كل ماكان في أذهانهم. وكان يسمي هذه الطريقة التداعي الحرّ. وعن طريق التحدث بحرية، كان المريض أحيانًا يعثر على تجربة أسبق ربما أسهمت في الاضطراب العصبي.

وكثيرًا ما يحدث، أن تغلق الذكريات الأليمة التي تسبب العُصاب في العقل الباطن عن طريق آليات الدفاع. ثم يحلل فرويد تلك الأفكار العشوائية التي تتضح أثناء التداعي الحر. وكان يفعل ذلك في سبيل اختراق آليات دفاع المريض. كذلك أخذ يفسر أحلام المريض التي كان يعتقد أنها مفاتيح رمزية لذكريات غير واعية. وبعد أن يشعر بأنه قد فهم جذور المشكلة يتحدث فرويد مع المريض عن ماضي تجاربه. وكان يهتم اهتمامًا خاصًا بالمشاعر الأليمة (الخصومة أو الحب مثلاً) التي كان يوجهها المريض لفرويد نفسه. وعن طريق هذه المشاعر القديمة إلى الحاضر يمكن للمريض أن يتخلص من الذكريات الأليمة، ويمكن لأعراض العُصاب أن تختفي عند ذاك.

تأثيره

يُعتبر فرويد أحد المفكرين الذين طغى تأثيرهم في التاريخ. ولذلك فمن اللائق معرفة أفكاره وأبحاثه لأنها تتعلق بالإنسان وكيانه، ودراستها جيدًا لغربلتها وإبقاء ما يتمشى مع الفكر الإسلامي ومثله العليا. وقد رأى لفيف من الناس أن ما كتبه قد غير الطريقة التي كان يراها الناس في الطبيعة البشرية. وكانت أبرز نظريات فرويد هي التي عالجت التحليل النفسي والطب النفسي. وقد عارض كثير من محللي الشخصية والباحثين في علم النفس بعض آرائه في هذين الفرعين من العلوم. إلا أن عمل فرويد في علاج الأمراض العقلية ساعد في وضع أساس التحليل النفسي العصري. أما في علم النفس فقد أثر فرويد بشكل خاص في حقل علم نفس الشواذ ودراسة الشخصية.

أدت نظريات فرويد عن النمو الجنسي إلى مناقشات مفتوحة ومعالجة الأمور الجنسية ومشكلاتها. وكان اهتمامه المكثف بأهمية الطفولة قد ساعد على تدريس قيمة توفير بيئة للأطفال مليئة بالغذاء العاطفي. كذلك أثرت نظرياته في ميادين وعلم الاجتماع. وقد قبل الباحثون في في البيئة الغربية بعض مفاهيمه القائلة بأن علاقات الكبار الاجتماعية تنتظم وفقًا للعلاقات الأسرية الأولى. ويرى عدد من الآباء والمعلمين في الغرب بأن المشكلات السلوكية يمكن أن تأتي من نزاعات الطفل العاطفية. وذهب التأثر بطائفة منهم إلى الحد الذي أصبح فيه عدد من الباحثين في علم الجريمة يرون أن من المجرمين مَن يرتكبون جرائمهم تحت دوافع غير واعية، وأن مثل هؤلاء الناس يمكن مساعدتهم عن طريق الاهتمام النفساني أكثر من اللجوء إلى الزج بهم في السجون.

وفي مجال الفن والأدب تركت نظرية فرويد أثرها على السريالية. السريالية. والتصوير التشكيلي السريالي والكتابة مثل التحليل النفسي يكتشفان أعماق العقل الباطن. وقد زودت آراء فرويد ومفاهيمه بعضًا من المؤلفين والفنانين والنقاد بمواضيع لتحليلها فنيًا وأدبيًا على ضوء مايراه فرويد. ولكن يبقى فرويد شخصًا من البشر ينتفع الناس منه بما كان مفيدًا، ويتركون ما كان شاذًا لا يتمشى مع العقيدة الصحيحة والمثل الإسلامية العليا.

فرويد، سيجموند
  • 0.00 / 5 5
  كيف وجدت هذا المقال؟  
طباعة هذه المقالة طباعة هذه المقالة