أحد الشوارع الرئيسية في مدينة الرياض حيث الازدحام والحركة.

المدينة مجتمع يعيش فيه آلاف أو ملايين من الناس ويعملون. والمدن أكثر بقاع العالم ازدحامًا. يبلغ متوسط عدد السكان بمدينة نيويورك مثلاً حوالي 7,700 شخصًا في الكيلو متر المربع، بينما يبلغ المتوسط بالولايات المتحدة جميعًا 27 شخصًا فقط في الكيلو متر المربع. كذلك فإن كثافة السكان في مدن كبيرة أخرى في العالم تبلغ أضعاف المتوسط القومي لكثافة السكان مئات أو آلاف المرات.

تتصف معظم المدن بأنها مكتظة وغير نظيفة وغير آمنة. تعوق حركة المرور المكتظة الناس عند أداء أعمالهم. وتعرّض مخلفات وسائل المواصلات ومحطات الطاقة والتوليد والمصانع وغيرها صحة الناس للخطر. كما يحدث ضجيج هذه الآلات إزعاجًا مجهدًا للأعصاب. يرتفع معدل الجريمة في كثير من المدن، وينشب العنف في بعض الأحيان بين مجموعات عرقية، ودينية وغير ذلك. وقد يلجأ سكان المدينة للشغب احتجاجًا على الإسكان البائس والأحوال المعيشية الأخرى غير المرغوب فيها. ورغم ما يكتنف المدن من معوقات وصعاب إلا أن النسبة المئوية لسكان العالم، الذين يقطنون الحواضر (المدن وضواحيها) في زيادة.

في القرن التاسع عشر الميلادي كان حوالي 2,5% فقط من سكان العالم يقطنون الحواضر. قفز هذا الرقم إلى حوالي 45% سنة 1990م، ومن المتوقع أن يصل إلى حوالي 55% سنة 2010م. يختار الناس الإقامة في المدن أو بالقرب منها لعدة أسباب. والسبب الرئيسي في ذلك هو عدد الوظائف المتوافرة وتنوعها. ترتكز اقتصاديات دول مثل كندا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا واليابان والولايات المتحدة أساسًا على التصنيع. ويتم معظم التصنيع داخل المدن وبالقرب منها، لذلك توجد معظم الوظائف هناك. وتتوافر وظائف قليلة بمدن الدول النامية، ومن ضمنها معظم أقطار إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. ومع ذلك، تُهرع أعداد ضخمة من الناس إلى هذه المدن. وكثير من هؤلاء مزارعون لم يعودوا قادرين على كسب العيش من الأرض، فذهبوا إلى المدن بحثًا عن الوظائف، لكن أكثرهم لم يستطع الحصول على عمل.

مراكز الأعمال في المدينة تتألف من عمارات شاهقة متقاربة حيث يزاول الناس أعمالهم ويتسوقون. تمتد المناطق السكنية كما في طوكيو (أعلاه) وبعض المدن الكبرى بعيدا عن مراكز الأعمال.

وتقدّم المدن كذلك نشاطات ثقافية وترفيهية كثيرة. ربما لا يحتاج سكان المدن إلى السفر بعيدًا للوصول إلى الصالات الفنية والمتاحف والحفلات الموسيقية، ويمكنهم التّسوّق في المتاجر القريبة التي تبيع آلاف المنتجات، وأن يستعيروا الكتب من المكتبات الشعبية الضخمة. ويستطيعون كذلك مشاهدة الأفلام والمسرحيات والأحداث الرياضية بسهولة.

يختار كثير من الناس العيش داخل المدينة أو بالقرب منها؛ لأنهم ببساطة يحبون إيقاع الحياة السريع في المدينة، وربما اشتكى هؤلاء النفر بمرارة من الزحام والقذارة والضجيج بالمدينة، لكنهم يحبون النشاط الدائب الذي يجعل حياة المدينة مختلفة تمامًا عن حياة الريف. ليس هناك مقياس لعدد السكان الذين يُعدّ مجتمعهم مدينة، لوجود بعض المجتمعات التي تسمى مدنًا، لأسباب لا علاقة لها بعدد السكان. في الولايات المتحدة، مثلاً، أحد تعريفات المدينة هو أي مجتمع فيه بعض ملامح حكومة المدينة بغض النظر عن عدد السكان. لكن معظم الناس يستعملون كلمة مدينة للإشارة إلى المجتمعات الحضرية الكبيرة. وهذه المقالة تستخدم كلمة مدينة بهذا المعنى. هناك مقاييس سكانية للتمييز بين الأماكن الحضرية والأماكن الريفية. يختلف مقياس التفرقة بين الأماكن الريفية والحضرية عند أمم العالم، حيث يتراوح في حجم السكان من حوالي 2,500 إلى10,000 نسمة. والمجتمعات التي تعد في تقدير الأمم المتحدة حضرية هي فقط تلك المجتمعات التي يبلغ عدد السكان فيها 20,000 أو أكثر.

تحكي هذه المقالة كيف بدأت المدن، وكيف تطورت، وتصف المدن وحياة المدن على امتداد التاريخ، وتناقش أيضًا مشاكل المدن الراهنة، وتلقي نظرة على مدن المستقبل.


أكبر التجمعات السكانية في العالم، وتشمل المدن ومناطقها الحضرية

م المـدينـة الدولـــة عدد السكان
1 طوكيو اليابان 28,025,000
2 مكسيكو سيتي المكسيك 18,131,000
3 بومباي الهند 18,042,000
4 ساو باولو البرازيل 17,711,000
5 نيويورك لولايات المتحدة 16,626,000
6 شنغهاي الصين 14,173,000
7 لاجوس نيجيريا 13,488,000
8 لوس أنجلوس الولايات المتحدة 13,129,000
9 كلكتا الهند 12,900,000
10 بوينس أيريس الأرجنتين 12,431,000
11 سيؤول كوريا الجنوبية 12,215,000
12 بكين الصين 12,033,000
13 كراتشي باكستان 11,744,000
14 دلهي الهند 11,680,000
15 دكا بنغلاديش 10,979,000
16 مانيلا الفلبين 10,818,000
17 القاهرة مصر 10,772,000
18 أوساكا اليابان 10,609,000
19 ريو دي جانيرو البرازيل 10,556,000
20 تيانجين الصين 10,239,000
21 جاكرتا إندونيسيا 9,815,000
22 باريس فرنسا 9,638,000
23 إسطنبول تركيا 9,413,000
24 موسكو روسيا 9,299,000
25 لندن المملكة المتحدة 7,640,000
26 ليما بيرو 7,443,000
27 طهران إيران 7,380,000
28 بانكوك تايلاند 7,221,000
29 شيكاغو الولايات المتحدة 6,945,000
30 يوجوتا كولومبيا 6,834,000
31 حيدر أباد الهند 6,833,000
32 مدراس (تشينّي) الهند 6,639,000
33 إسن ألمانيا 6,559,000
34 هانغتشو الصين 6,389,000
35 هونج كونج الصين 6,097,000
36 لاهور باكستان 6,030,000
37 شنيانج الصين 5,681,000
38 تشانجتشن الصين 5,566,000
39 بانغلور الهند 5,554,000
40 هارين الصين 5,475,000
41 تشنجدو الصين 5,293,000
42 سانتياجو تشيلي 5,261,000
43 غوانغزهاو الصين 5,162,000
44 سانت بطرسبرج روسيا 5,132,000
45 كنشاسا الكونغو الديمقراطية 5,068,000
46 بغداد العراق 4,796,000
47 جنان الصين 4,789,000
48 ووهان الصين 4,750,000
49 تورونتو كندا 4,657,000
50 رانجون (يانجون) بورما (ماينمار) 4,458,000
51 الجزائر الجزائر 4,447,000
52 فيلادلفيا الولايات المتحدة 4,398,000
53 كنجداو الصين 4,376,000
54 ميلانو إيطاليا 4,251,000
55 بوسان كوريا الجنوبية 4,239,000
56 بيلو هوريزونتي البرازيل 4,160,000
57 أحمد أباد الهند 4,154,000
58 مدريد أسبانيا 4,072,000
59 سان فرانسيسكو الولايات المتحدة 4,051,000
60 الإسكندرية مصر 3,995,000
61 واشنطن دي سي الولايات المتحدة 3,927,000
62 دالاس الولايات المتحدة 3,912,000
63 جوادا لاخارا المكسيك 3,908,000
64 تشونجكنج الصين 3,896,000
65 ميدلين كولومبيا 3,831,000
66 دترويت الولايات المتحدة 3,785,000
67 هاندان الصين 3,763,000
68 فرانكفورت ألمانيا 3,700,000
69 بورتو أليجري البرازيل 3,699,000
70 هوشي منه فيتنام 3,678,000
71 سيدني أستراليا 3,665,000
72 سانتو دومينجو جمهورية الدومينيكان 3,601,000
73 سنغافورة سنغافورة 3,587,000
74 الدار البيضاء المغرب 3,535,000
75 كاتوايس بولندا 3,488,000
76 بوني الهند 3,485,000
77 باندونج إندونيسيا 3,420,000
78 مونتيري المكسيك 3,416,000
79 مونتريال كندا 3,401,000
80 ناغويا اليابان 3,377,000
81 نانجينج الصين 3,375,000
82 هيوستن الولايات المتحدة 3,365,000
83 أبيدجان ساحل العاج 3,359,000
84 زيان الصين 3,352,000
85 برلين ألمانيا 3,337,000
86 الرياض المملكة العربية السعودية 3,328,000
87 رسيف البرازيل 3,307,000
88 دسلدورف ألمانيا 3,251,000
89 أنقرة تركيا 3,190,000
90 ملبورن أستراليا 3,188,000
91 سلفادور البرازيل 3,180,000
92 كاراكاس فنزويلا 3,153,000
93 داليان الصين 3,153,000
94 أديس أبابا إثيوبيا 3,112,000
95 أثينا اليونان 3,103,000
96 كيب تاون جنوب إفريقيا 3,092,000
97 كولون ألمانيا 3,067,000
98 مابوتو موزمبيق 3,017,000
99 نابولي إيطاليا 3,012,000
100 فورتاليزا البرازيل 3,007,000

كيف بدأت المدن وتطورت؟

من المحتمل أن تكون حياة البشر على الأرض قد بدأت منذ حوالي مليوني عام. لكنهم بدأوا يعيشون في مستوطنات دائمة فقط منذ حوالي 10,000 سنة. وقد سُميّ الرجال والنساء الذين أسسوا هذه المستوطنات أناس العصر الحجري الجديد (النيوليثي). وقبل أن يبدأ الناس العيش في مستوطنات دائمة، كانوا ينتقلون من مكان إلى آخر لصيد الحيوانات وجمع النباتات للطعام. كان رجال العصر الحجري هم المزارعين الأوائل. وبهذه الصفة لم يكونوا بحاجة إلى التنقل للبحث عن الطعام وبدأوا يستقرون بالقرى.

وفي حوالي عام 3500 قبل الميلاد، كان عدد من قرى العصر الحجري قد تحولت إلى مدن صغيرة. ومنذ أن ظهرت المدينة الأولى، أنشأت شعوب كثيرة مدنًا عدة في أماكن مختلفة ولأسباب عديدة. اختلفت هذه المدن في الحجم والشكل، واتخذت لها نظمًا اقتصادية وحكومية واجتماعية مختلفة. لكن المستوطنات المستديمة سواء قرى العصر الحجري أو المدن الكبيرة كانت تحتاج في تكونها ونموها لأربعة ملامح. هي: 1- تطورات في التقنية. 2- بيئة طبيعية مساعدة. 3- تنظيم اجتماعي. 4- نمو سكاني.


أكبر عشر مدن في كل قارة

إفريقيا آسيا
القاهرة 6,052,836 بومباي 9,925,891
الإسكندرية 2,917,327 سيؤول 9,645,932
كنشاسا 2,222,981 طوكيو 8,163,573
الدار البيضاء 2,139,402 شنغهاي 8,214,436
الجيزة 1,870,508 جاكرتا 6,761,886
أبيدجان 1,850,000 بغداد 5,908,000
الجزائر 1,721,607 بكين 5,760,000
أديس أبابا 1,412,507 هونج كونج 5,756,000
لاجوس 1,149,200 طهران 5,734,199
طرابلس 990,697 تيانجين 5,300,000
أستراليا أوروبا
سيدني 3,538,970 موسكو 8,275,000
ملبورن 3,022,157 لندن 6,378,600
برزبين 1,334,746 إسطنبول 5,475,982
أديليد 1,023,617 سانت بطرسبرج 4,295,000
بيرث 1,143,265 مدريد 2,909,792
أوكلاند 855,571 برلين 3,062,979
ولنجتون 325,682 روما 2,775,250
كرايتتشيرس 307,179 كييف 2,409,000
نيوكاسل 293,368 باريس 2,176,243
كانبرا 247,194 بودابست 2,075,990
أمريكا الشمالية أمريكا الجنوبية
مكسيكو سيتي 8,235,744 ساو باولو 11,128,848
نيويورك 7,322,564 ليما 5,493,000
لوس أنجلوس 3,485,398 ريودي جانيرو 5,093,232
شيكاغو 2,783,726 سانتياجو 4,25 2,299
هافانا 1,924,886 بوجوتا 4,982,941
هيوستن 1,680,553 بوينس أيريس 2,965,403
جوادالاخارا 1,626,152 سلفادور 2,496,276
فيلادلفيا 1,585,577 مدللين 1,468,089
نتزاهوالكويتل 1,341,230 بيلو هوريزونتي 1,442,483
سان دييجو 1,110,549 كالي 1,350,565
المصدر : الإحصاءات والتقديرات السكانية بين عامي 1976 و 1995م.

أنشطة أوقات الفراغ تعتبر من العناصر المهمة في حياة المدن. مزاولة رياضة الإبحار (أعلاه) من ضروب الترفيه في المدن الساحلية، كسيدني.
عالما التجارة والصناعة يتيحان فرص العمل لملايين الناس الذين يقطنون المدن. سوق الحبوب المفتوح بكابول في أفغانستان (أعلاه) يجعل المدينة مركزا تجاريا مهمًا.
البلديات تقدّم خدمات جمة، كإطفاء الحرائق، والتخلص من مياه المجاري لآلاف بل لملايين البشر. وفي الصورة (أعلاه). اجتماع أعضاء الهيئات التشريعية بمجلس المدينة بتورونتو بكندا.

تطورات في التقنية.

تشير كلمة التقنية إلى الاكتشافات والابتكارات التي ساعدت الناس لكي يحسِّنوا أسلوب حياتهم. إن تطوير المهارات الزراعية كان هو التقدم التقني الذي أدّى إلى إنشاء المدن.

تعلّم رجال العصر الحجري كيف يزرعون المحاصيل، واخترعوا الأدوات التي حسنت من أساليبهم الزراعية. وكذلك استأنسوا الحيوانات التي كانوا يستخدمونها في أعمالهم وتعد مصدرًا من مصادر الطعام. ساعدت هذه التطورات عددًا من عائلات العصر الحجري في إنتاج أكثر مما يحتاجون إليه من الطعام.

ونتيجة لهذا الفائض من الطعام انصرف كثير من الناس إلى أعمال أخرى غير الزراعة، وأصبح بعضهم ماهرًا في الحرف، فصنعوا السلال والأقمشة والمصنوعات الجلدية والأدوات والمصنوعات الأخرى. وأصبح آخرون يعملون في المناجم يحفرون الأرض بحثًا عن الصّوّان والمعادن والحجارة. وكان العاملون من غير المزارعين يكتسبون رزقهم بالاتجار في الأشياء التي كانوا يصنعونها للمزارعين مقابل ما عندهم من المحاصيل الفائضة. وقد جعل التقدم التقني عبر السنين أناسًا كثيرين قادرين على أن يعملوا بغير الزراعة. وهؤلاء هم الذين أنشأوا المدن في العالم وعمروها.

وقد أثر التقدم التقني على حياة المدينة عبر التاريخ. مثال ذلك أن تطوير الآلة البخارية في القرن الثامن عشر، منح الناس مصدر الطاقة الذي كانوا يحتاجون إليه في الصناعات الكبرى. وأصبحت كثير من المدن على نحو ما، مراكز عملاقة للصناعة نتيجة لهذا التقدم. وقد أدى التوسع الصناعي في بعض الأحيان إلى إنشاء مدن جديدة. وامتدت آلاف الضواحي حول المدن الكبرى خلال القرن العشرين. وقد جعلت السيارة وقاطرة السكة الحديدية ـ وهما نموذجان من التقدم التقني في المواصلات ـ وجود هذه الضواحي واقعًا ممكنًا. وقد احتاج معظم الناس الذين كانوا يسكنون الضواحي إلى سيارات وقطارات للذهاب إلى عملهم بالمدن والإياب منها.

البيئة الطبيعية للمدينة

تشمل موقعها ومناخها ومدى توافر الماء والطعام بها. أنشئت المدن في بيئات كثيرة مختلفة، لكن تطورها اعتمد على سمات بيئية مساعدة، فلا بد أن يوجد بكل المدن قدر كاف من مياه الشرب. وقد كانت المجتمعات الزراعية الأولى في حاجة إلى كميات مناسبة من مياه الأمطار لزراعة المحاصيل. كما أن التربة الصالحة أساسية أيضًا في زراعة المحاصيل، وقد يكون القرب من مصادر الطعام الأخرى كالحيوانات والخضراوات النافعة عاملاً مساعدًا. وتشمل المظاهر البيئية الأخرى التي ساعدت على تطور المدن الطقس المعتدل المناسب، والموقع بجوار المواد التي يمكن أن تستخدم في صناعة الملبس والمسكن.

ولقد وجدت المجموعات البشرية الأولى مظاهر بيئية كثيرة مشجعة في الأودية النهرية في المناخات شبه المدارية. وتقع بعض القرى والمدن الأولى في وادي دجلة والفرات في العراق، ووادي النيل بمصر والسودان، ووادي هوان هي (النهر الأصفر) بالصين، ووادي نهر السند بالهند وباكستان. العالم، تاريخ.

وساعدت مظاهر بيئية أخرى في تطور المدن عبر السنين. فمثلاً، كان الناس يسافرون منذ الزمن القديم بالسفن ليتاجروا مع الأمم الأخرى. وقد أصبحت معظم المدن التي تتاخم مساحات واسعة من الماء مراكز تجارية مهمة مثل: إسطنبول (تركيا) لندن (إنجلترا) شنغهاي (الصين) البندقية (إيطاليا). وقد تطورت شيكاغو بالولايات المتحدة، وتورونتو بكندا على نحو ما، بسبب وقوعهما على امتداد خطوط مواصلات بحرية وبرية مهمة. وقد اشتهرت مدن كثيرة، مثل مانشستر بإنجلترا كمراكز صناعية لقربها من المعادن والمواد الخام التي تحتاج إليها الصناعة، بينما تدين بعض المدن بتطورها أساسًا للمناخ. وقد كان المناخ الدافئ الصحي لأنحاء فلوريدا والجنوب الغربي للولايات المتحدة جاذبًا لكثير من الناس.

التنظيم الاجتماعي.

لابد من وجود قواعد سلوكية معينة لكي يستقيم النظام والسلام والأمن في أي مجتمع. وقد أجمع كثير من الناس منذ العصر الحجري على أنه من الخطأ إيذاء أو سرقة أحد من مجموعتهم. وبالمقابل توقع الناس أن يحترم الآخرون حقهم في السلامة والتملك. وللناس أيضًا واجبات نحو مجموعتهم ككل. وقد قاتلوا لحماية مجموعتهم من الأعداء.

إن حفظ النظام لأية مجموعة يتطلب أيضًا وجود نوع من السلطة. ففي العائلة، يبسط الآباء سلطانهم على أبنائهم. وفي المجموعات الاجتماعية الكبرى التي تشمل المدن، لابد أن يلتزم المواطنون بسلطة الحكومة.

لقد كان لقرى العصور الحجرية تنظيم اجتماعي بسيط؛ فقد كان لزامًا على الناس أن يحترموا حقوق بعضهم، وكان على الأطفال أن يطيعوا آباءهم. وقد كان بكثير من القرى عدد قليل جدًا من المسؤولين الحكوميين. وربما قام أحد أفراد القرية بحراسة فائض الطعام، وربما كان هناك رأس مدبر للدفاع ضد الغزاة. وباطراد التوسع في المدن، بقيت واجبات أعضاء العائلة وجيرانهم نحو بعضهم كما هي، لكن حفظ النظام أصبح يتطلب أن تؤدي الحكومات دورًا كبيرًا في شؤون وتوفير الخدمات العامة للجماهير. لذلك زاد عدد المسؤولين الحكوميين والعمال الذين تحتاج إليهم المدن كثيرًا. وتحتاج كثير من المدن اليوم إلى آلاف العاملين الحكوميين، وهؤلاء العاملون يشملون، العُمَد ومخططي المدن والموظفين، والكاتبين، ورجال الإطفاء، وجامعي القمامة، ومسؤولي الصحة وضباط الشرطة والمدرسين، وغيرهم.

النمو السكاني.

عاش في العصر الحجري حوالي 10 مليون نسمة فقط. وبلغ تعداد سكان العالم ما يقرب من 500 مليون نسمة حوالي سنة 1650م. وحوالي 4بليون سنة 1980م. وقد أدى هذا الانفجار السكاني إلى زيادة في حجم المدن وعددها. وهناك عاملان آخران ساعدا في تطور المدن. أحدهما التكثّف السكاني أو التمدين السُّكاني، وهو زيادة الكثافة السكانية في أجزاء صغيرة من الأرض، وهذه الأجزاء هي المدن وما حولها من المناطق. والعامل الآخر يسمى أحيانًا تنوع السكان وهو حركة أُناس من خلفيات ثقافية مختلفة إلى المدن. وبمرور السنين، أخذت المدن تضم أناسًا من أعراق وأديان مختلفة وقوميات ومجموعات لغوية مختلفة. وقد نتج عن اختلاط الناس انتشار ثقافي، وهو الإجراء الذي يتعلم الناس من خلاله تبادل الآراء بغض النظر عن اختلاف مشاربهم وتنوع ثقافاتهم. ويعدُّ الانتشار الثقافي من أشد العناصر أهمية في تطور الحضارة.

المدن القديمة

جرة تخزين مطلية -أعلى- وجدت في وادي نهر السند بالباكستان ويبلغ ارتفاعها حوالي 75سم.

انقضت مئات السنين قبل أن تتطور قرى العصر الحجري إلى مدن. وكانت المدن الأولى قد ظهرت حوالي سنة 3500ق.م. في وادي دجلة والفرات بسومر. ويقع هذا الوادي في الجزء السفلي لبلاد ما بين النهرين، وهي ما تعرف بالعراق اليوم، وتطورت القرى المصرية بوادي النيل إلى مدن حوالي سنة 3000ق.م.، وصارت القرى بوادي نهر السند مدنًا حوالي سنة 2500ق.م، وبدأت المدن الصينية في الظهور حوالي منتصف القرن السابع عشر قبل الميلاد، بينما تطورت قرى الهنود في وسط أمريكا إلى المدن الأولى في نصف الكرة الغربي في القرن الثالث قبل الميلاد.

في العالم العربي والإسلامي لم يتأخر ظهور المدينة عن مناطق العالم الأخرى، بل إن بعض المدن العربية التي صارت من كبريات العواصم الإسلامية فيما بعد، تعود إلى 3000 أو 3500 سنة ق.م. كما في بعض المدن المصرية والعراقية وغيرها. ارتبط ظهور هذه المدن بالوديان والسهول حول الأنهار، وكانت لها خصائصها المميزة. جاءت هذه المدن نتاج حضارات قديمة نشأت في المناطق العربية، فتوافرت لها كل أسباب التطور والازدهار. وفي بداية انتشار الإسلام نشأت مدن جديدة استجابة لمتطلبات المجتمع الإسلامي الجديد وفق معايير وأسس إسلامية، وتميزت المدن الإسلامية بخصائص معمارية متميزة تتوافق مع القيم والتقاليد الإسلامية.

قرى العصر الحجري هي أسلاف المدن. تصوُّر فنان يبين كيف تبدو القرية في جارلشوف بجزر شتلاند في العصر الحجري. الحائط يحيط بالمنازل وبرج المراقبة العالي. حفظ معظم الناس الطعام في جرار كبيرة.

اختلفت المدن القديمة عن قرى العصر الحجري من نواح متعددة. فقد كانت المدن أكبر وكانت بها مبانٍ عامة كبيرة تشمل معابد وأماكن لتخزين الحبوب والأسلحة.

كان عدد الناس بالمدن أكبر منه بالقرى، واجتذبت أناسًا من خلفيات متنوعة، واختلف أيضًا عمل أهل المدن عن عمل أهل القرى؛ فقدكان معظم العاملين من أهل القرى مزارعين. وكان بعض من أهل المدن يقومون بزراعة الأرض خارج المدن، لكن معظمهم كانت لهم أعمال لا علاقة لها بالزراعة. وقد ازداد عدد الحرفيين والعمال الحكوميين بالمدن الأولى وظهرت بها مجموعة جديدة من العمال وهم التجار والباعة.

بريين مدينة إغريقية عتيقة تقع الآن فيما يعرف بغربي تركيا. وقد كان الحائط حول المدينة يدفع عنها الغزاة. ومكان السوق، يشتمل على مبان ضيقة، وساحة كبيرة، تحتل وسط المدينة. وتقوم على مقربة من ذلك المباني الحكومية ودور العبادة، ويوجد المسرح الخارجي بالقرب منها. وتقع صالة الألعاب الرياضية والاستاد على امتداد الحائط القريب. وقد وضعت المنازل كما هو الحال في معظم المدن الراهنة في شكل وحدات مستطيلة.

الوصف.

كانت المدينة القديمة تغطي مساحة أقل من 2,5كم². وكان معظم سكانها يعيشون بالقرب من مصادر المياه بالمدينة؛ لأنهم كانوا يحتاجون إلى أخذ المياه وحملها إلى أماكن بعيدة بأنفسهم. إلا أن التقدم التقني – خصوصًا إنشاء القنوات لنقل المياة إلى أماكن بعيدة- هو الذي مهد لامتداد بعض المدن القديمة. روما مثلاً امتدت إلى حجم أكبر من 10كم² بعد أن طورت المدينة نظام قنوات متميزًا.

وقد كانت معظم المدن القديمة محاطة بالأسوار لتحميها من الأعداء. كذلك ساعدت الجبال في حماية بعض المدن القديمة. كانت روما تقع على جبال، وكانت أثينا قد بُنيت حول جبل يلجأ الناس إليه إذا هاجم الأعداء المدينة. وكانت المنطقة الوسطى في معظم المدن تحتوي على مكان للعبادة وقصر الحاكم ومخزن للطعام. وكانت هذه المنطقة الوسطى في بعض المدن محاطة بسور يمنع الأعداء والجوعى من دخول المنطقة. وكانت المنازل تبدو مزدحمة مع بعضها حول المنطقة الوسطى.

وكانت الصحة تمثل مشكلة كبرى في المدن القديمة التي كان معظمها لا يملك نظامًا للتخلص من الفضلات. وكان الناس يرمون القمامة وبعض الفضلات ببساطة في الشوارع أو يجمعونها خارج سور المدينة. ونتيجة لهذا كانت الأمراض تنتشر بسرعة وكانت معدلات الوفاة في ارتفاع، وكانت الشوارع الضيقة غير المرصوفة تتحول إلى بحار من الطين عند نزول الأمطار. وقد بلغت بعض المدن القديمة درجة رفيعة من التقدم. روما مثلاً، كانت لها شبكة صرف صحي، ونظام لإمداد الماء، وإنشاءات عامة ضخمة كثيرة، بما في ذلك الحمامات العامة. وقد شملت المدن المتقدمة القديمة أثينا وبابل، وعددًا من مدن مصر. أثينا؛ بابل؛ مصر؛ القدس؛ روما.

كانت أور إحدى المدن الأولى التي أنشأها السومريون حوالي عام 3500ق.م. فيما يسمى الآن بالعراق. وقد بنوا الزكورة (المعبد) (خلفية الصورة أعلاه) في شكل جبل ربما لأنهم كانوا فيما سبق يتعبدون على قمم الجبال.

السكان.

كان عدد السكان بالمدن القديمة أكبر منه بقرى العصر الحجري، لكنه أقل بكثير منه بالمدن المعاصرة. كان عدد السكان في معظم المدن أقل من 10,000، على الرغم من أن أثينا وبكين وروما، ومدنًا أخرى كثيرة كانت ذات كثافة أعلى من ذلك.

وقد شكل السكان الأوائل للمدن الأولى مجتمعات متجانسة؛ ذلك لأنهم كانوا ينتمون إلى نفس الخلفيات العرقيّة والجغرافية، ويشتركون في الاعتقادات الدينية والسمات الثقافية. لكن سرعان ما بدأت المدن تجذب الناس من مشارب مختلفة. فقد نزح كثير من الناس من الريف بحثًا عن حياة أفضل بالمدينة. وقد أُسِر بعض الناس في الحرب وجلبوا للمدن ليعملوا عبيدًا. وكان قدوم النازحين الجدد قد حوّل المدن إلى مجتمعات متغايرة العناصر تتكون من أناس من مشارب مختلفة.

وقد أثمر تكوين المجتمعات المتباينة العناصر انتشارًا للثقافة، لكن كانت له آثار غير محمودة، وكان القادمون الجدد والمجموعة الأصلية، في كثير من المدن، لا يثق بعضهم في بعض. وقد نتج عن ذلك أنواع مختلفة من التّعصب والتمييز العنصري.

مدينة تمجاد إحدى مدن الإمبراطورية الرومانية الكبيرة، بنيت في القرن الثاني الميلادي فيما يعرف الآن بالجزائر. شاد المهندسون العسكريون تمجاد وكثيرًا من المدن الأخرى كمعسكرات للجنود الرومان. تبين الصورة أطلال تمجاد.

وكان سكان المدن القديمة ينقسمون إلى طبقات؛ تكونت الطبقة العليا من الحكام والمسؤولين العسكريين وكبار القساوسة؛ وتكونت الطبقة الدنيا من المزارعين والحرفيين والتجار؛ وأتى في أدنى طبقات المجتمع القادمون الجدد، خصوصًا العبيد، وأولئك المنحدرون من مشارب تختلف كثيرًا عن تلك التي تميز المواطنين الأصلاء. كان القادمون الجدد يعاملون منبوذين، ويُجبر معظمهم على العيش في أقسام منفصلة من المدينة، كما أنهم كانوا يسكنون في أكثر مساكن المدينة سوءًا، ويعيشون على قليل من الطعام واللباس وبلا .

كانت العائلات والأسر من الطبقات العليا تسكن في منازل ضخمة؛ بينما كان معظم الناس يسكنون في مساكن تتكون من حجرة واحدة صغيرة أو حجرتين. وفي جميع الطبقات، كان الأطفال والآباء والأجداد والأقارب الآخرون في كثير من العائلات يعيشون في نفس البيت.

وفي معظم المدن القديمة كان أطفال العائلات من الطبقات العليا فقط يتلقون تعليمًا رسميًا. أما الأطفال من الطبقات الأخرى فكانوا يتعلمون حرفة آبائهم عادة، أو لا يتلقون تعليمًا مطلقًا. كانت البنات من الطبقات كلها يتعلمن معظم الواجبات المنزلية من أمهاتهن.

عبد معظم الناس في البداية عددًا من الآلهة (الأوثان). وكان معظمهم يعتقد أن غضب الآلهة يسبب سوء الحظ الشخصي. وقد كانت الاحتفالات تقام لتكريم الآلهة وإرضائها. وكان معظم القدماء، بمن فيهم المصريون والإغريق والرومان، يبنون المعابد والتماثيل ويهبونها للآلهة. كذلك كان الهنود الحمر في كل من أمريكا الوسطى والجنوبية. فقد أنشأ الهنود الحمر مثلاً المباني الدينية المشهورة في تيوتيواكان بالقرب من مكسيكو سيتي.

روما واحدة من أكبر المدن القديمة بلغت مساحتها أكثر من 10كم²، وبلغ عدد سكانها حوالي مليون نسمة. وقد كانت القنوات تحمل الماء من العيون الجبلية. وأحد هذه المباني التي تشبه شكل الحائط – تبدوعلى أسفل اليمين- من مخطط روما (أعلاه). كان بروما عدد من المباني العمومية الكبيرة، وقد اشتملت على المباني الحكومية بالإضافة إلى المبنى المستطيل للسيرك المسمى «سيركوس ماكسيموس» (يسارالصورة) والبناء الدائري للكولوسيوم (يمين) وقد كانا محلين لترفيه الناس.

الاقتصاد.

أدى التقدم التقني في الزراعة إلى جعل نشأة القرى في العصر الحجري أمرًا ممكنًا، كما أن المزيد من التقدم فيها عمل على ظهور المدن القديمة. وقد ساعد اختراع الآلات الزراعية الجديدة واكتشاف أساليب جديدة للحصاد والري وتربية الحيوانات في زيادة الطعام. وكلما ازداد الفائض توقف عدد كبير من الناس عن الزراعة، وذهبوا إلى المدن بحثًا عن عمل آخر.

أصبح الحرفيون أهم مجموعة في المدن. وقد كان الحرفيون الأوائل يتجولون من مكان إلى آخر؛ لأن مجتمعًا واحدًا لا يسعهم جميعًا. لكن عندما اتسعت المدن اتساعًا كافيًا لعيشهم، بدأ الحرفيون يستقرون بصفة دائمة. كان الحرفيون الأوائل يبيعون المنتجات التي يصنعونها، وبعد ذلك تعقدت الحياة بالمدينة، وظهرت مجموعة جديدة من التجار الذين كانوا يبيعون المنتجات التي يصنعها الآخرون. نشأت طبقة التجار نتيجة للتطور التقني في المواصلات. اخترعت العجلة، في وادي دجلة والفرات في حوالي سنة 3000ق.م، ودخل استعمالها في العالم القديم تدريجيًا. وقد مكنّت العربات ذوات العجلات والطرق المعبدة الواسعة الناس من نقل كميات كبيرة من السلع داخل المدن، ومن مدينة إلى أخرى للاتجار. وقد ساعدت التحسينات في المواصلات المائية التجار في تسويق سلعهم في الأماكن القريبة والديار البعيدة. ومن هنا أصبحت التجارة الخارجية ضرورية لاقتصاد بعض المدن القديمة. وقد أدى الفينيقيون دورًا رائدًا في تقدم التجارة في مساحات كبيرة من الماء.

المدن العربية القديمة كانت محاطة بالأسوار. يتوسط المدينة دائماً المسجد الجامع تحيط به الأسواق والمنازل. بنيت مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية قديماً (أعلاه) على النمط المذكور.

نظام الحكم.

كان رجال الدِّين يقومون بكثير من أعباء الحكومة في المجتمعات الأولى؛ حيث كان الناس يعتقدون أن سلطات هؤلاء القادة مستمدة من الآلهة. ولذلك كانوا مسؤولين لدى الآلهة وليس لدى الناس. وبتطور المجتمعات تولى الأباطرة والملوك والحكام غير الدينيين زمام الحكم. وقد وضع هؤلاء الحكام القوانين التي يمكن إنفاذها بالقوة العسكرية وقوة الشرطة. ورغم ذلك فإن كثيرًا من الناس مازالوا يعتقدون أن حق الحكم مستمد من الآلهة. ونتيجة لهذا كان للحكام الحق الإلهي في الحكم والقوة المدنية في إنفاذ القانون. وكان يحكم كثيرًا من المدن إداريون محليون، وكانوا مسؤولين لدى الإمبراطور أو الملك أو بعض السلطات العليا الأخرى. وكانت بعض المدن بما في ذلك أثينا مستقلة عن أية سلطة عليا. فقد كان حكامها يحكمون المدينة وما حولها، وكانت هذه المناطق تسمى الدولة ـ المدينة. الدولة المدينة. وقد كانت الطبقة العليا هي التي تدير حكومات المدن القديمة، وكانوا يفرضون الضرائب الباهظة على الحرفيين والمزارعين والتجار كي يدفعوا تكاليف إدارة الحكومة وإنشاء المباني العامة والقيام بمشاريع أخرى. ولم يكن للناس حق إبداء الرأي في نظام الحكم، وقد كانت أثينا وبعض الدول ـ المدن الإغريقية استثناءات مهمة في هذا الأمر. ففي هذه المدن كان البالغون الذكور غير الأرقاء يساعدون في تقرير الحكومة. الديمقراطية.

المدن في القرون الوسطى

المدن بفلاندرز المشتملة على بروجز (إلى اليسار) وغنت ولييج ويبرز، ساعدت التجارة على ازدهارها خلال العصور الوسطى. وقد كان التجار الفلمنكيون يجلبون كميات من الصوف عبر بحر الشمال إلى إنجلترا، وكانوا يمارسون تجارة برية واسعة بكل من فرنسا وألمانيا وبعض الأقطار الأخرى. كانت فلاندرز تسمى في بعض الأحيان سوق أوروبا.

بدأت القرون الوسطى بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية في سنة 476م واستمرت حتى فتح المسلمون القسطنطينية سنة 857هـ، 1453م. وقد كانت الإمبراطورية الرومانية تحكم إقليمًا كبيرًا يضم في أعاليه معظم أوروبا والشرق الأوسط والمساحة الساحلية الشمالية لإفريقيا. وكانت عاصمتها روما. وقد ساعد الرومان في بناء المدن طيلة أيام إمبراطوريتهم، فشيدوا أيضًا شبكة من الطرق التي استخدمت طرقًا تجارية بين المدن. وتدهورت الإمبراطورية خلال القرن الخامس الميلادي، وغزتها القبائل الجرمانية، وقسمتها إلى ممالك كثيرة. وكان رجال القبائل محاربين وصائدين ومزارعين، وكان لهم اهتمام قليل بالتجارة. وبعد سقوط الإمبراطورية الرومانية توقفت التجارة بين المدن الأوروبية تقريبًا. وترك آلاف الناس المدن وذهبوا للعمل بالمزارع. وخلال الفترة الممتدة من القرن الخامس حتى القرن الحادي عشر الميلاديين قل سكان المدن القائمة، وقلما ظهرت مدن جديدة للوجود. وقد اكتسبت التجارة أهمية بعد القرن الحادي عشر الميلادي وبدأت المدن تنمو من جديد.

الوصف.

كان لكثير من المدن الأوروبية في القرون الوسطى تخطيط مُتشابه، فالمدينة عادة تغطي مساحة أقل من 2,5كم²، وحولها أسوار لحمايتها من الغزاة؛ كانت كنيسة المدينة الرئيسية تقف عالية في المنطقة الوسطى. كانت الكنيسة هي أكبر مباني المدينة وأعلاها.

كثير من المدن الشرقية ازدهرت عندما كانت المدن الأوروبية تكافح من أجل البقاء في العصور الوسطى. غوانغزهاو المسماة أيضًا «كانتون» بالصين -أعلاه- كانت من أكثر المراكز التجارية انتعاشًا في القرون الوسطى. وأصبحت من أوائل المدن الشرقية التي تاجرت مع الغرب.

وكانت رمزًا على اهتمام العصور الوسطى الأوروبية بالدين. كانت مباني الحكومة والسوق تقع بالقرب من الكنيسة. كان الأغنياء يعيشون بالقرب من المركز والفقراء بعيدًا عن هذه المنطقة. كان بعض الفقراء يعيشون في أكواخ خارج الأسوار. وبعض المدن في القرون الوسطى كالمدن القديمة كانت قذرة وغير صحية. كان المرض ينتشر سريعًا، وذلك لأن الناس لم يكن لديهم مرافق صحية للتخلص من القاذورات والنفايات الأخرى. وكان المرض ـ من حين لآخر ـ يختطف عددًا كبيرًا من سكان المدن.

وجعلت الأسوار حول المدائن الوسطى حجم المكان المناسب للسكن محدودًا؛ فقد كانت الأرض غالية الثمن، لذلك شرع الناس في تعلية المباني لخمسة أو ستة أدوار. صار الازدحام مشكلة خلال الفترة المتأخرة في العصور الوسطى، مما جعل بعض المدن تجد حلاً لذلك بهدم الأسوار وإعادة بنائها في الجهة الخارجية. وقد زاد حجم فلورنسا بإيطاليا ثلاثة أضعاف بهذه الصورة. وسمحت بعض المدن ببقاء الأسوار لكنهم أسسوا مدنًا جديدة بالقرب منها.

يعتقد العلماء أن مدن القرون الوسطى في الشرق كان لها نفس النمط العام كالمدن الأوروبية. بيد أنّ التجارة الشرقية لم تتدهور، واستمرت كثير من المدن الشرقية في التوسع والازدهار طيلة العصور الوسطى.

المعارض التجارية كانت تقام كل سنة في معظم المدن الأوروبية بالعصور الوسطى، وكان التجار يسافرون من معرض إلى معرض، يشترون ويبيعون السلع، ويتبادلون الأفكار عن المنتجات الجديدة وأساليب الإنتاج. وفي الرسم (إلى اليسار) يتبادل التجار الآراء حول الأسعار، بينما ظهر رجل على ظهر حصان يستعد لتسلية الحاضرين بالحيل البهلوانية. وقد أصبحت المعارض التجارية جزءًا من النشاط التجاري الذي انتشر في جميع أنحاء أوروبا بعد القرن الحادي عشر. وأدى اتساع السوق إلى ثراء المدن ونموها. وفقدت معظم المدن الأوروبية أهميتها وتوقف نموها بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، وكادت التجارة تتوقف في آخر القرن الخامس الميلادي.

السكان.

كان كثير من مجتمعات القرون الوسطى عبارة عن مستوطنات صغيرة ـ يقطنها فقط 300 أو 400 شخص. حتى لوبك بألمانيا، وكانت مدينة مهمة بأوروبا الشمالية ـ لم يكن عدد سكانها يتجاوز 10,000 في القرن الثالث عشر الميلادي. وفي نفس تلك الفترة، كان عدد سكان لندن حوالي 40,000 نسمة فقط. والبندقية 100,000 نسمة وباريس حوالي 150,000 نسمة وكانت هذه من كبريات المدن في أوروبا. وربما كانت كثير من المدن الشرقية أكثر سكانًا من المدن الأوروبية.

جذبت المدن الأوروبية أناسًا من ثقافات مختلفة لكن ظل الناس يميلون إلى الاستقرار في أحياء فيها أناس من جماعتهم. وبعض الأحياء كانت تشبه مدنًا منفصلة لها سوقها الخاص وكنائسها ومصادر مياهها ومرافقها الأخرى. وغالبًا ما استقر الناس في الأحياء الخاصة. أدى نظام الأحياء المنفصلة إلى تقليص الخصومات بين الناس الذين ينتمون إلى مجموعات مختلفة، لكنه في الوقت نفسه جعل تبادل الآراء محدودًا.

عاش رجال الطبقة العليا في العصور الوسطى في منازل كبيرة، بها حجرات منفصلة للحمام والطهي وتناول الطعام والنوم والنشاطات الدينية والاجتماعية. بدأت فكرة تخصيص حجرات لنشاطات مختلفة تظهر بالتدريج أيضًا بين الطبقات المتوسطة والدنيا، لكن معظم هؤلاء الناس ظلوا يسكنون في شقق ومنازل تتكون من حجرة أو حجرتين، كانت تستخدم في كل الأغراض. وتطورت بعض المؤسسات العامة، الأمر الذي جعل عامة الناس يستفيدون من استخدام الأماكن لأغراض متخصصة. اشتملت هذه المؤسسات على المخابز والحمامات العامة والمستشفيات، ولكن مع هذا قل الذين كانوا ينعمون بالراحة والحياة الخاصة.

عاش الأطفال والآباء والأجداد والأقارب خلال القرون الوسطى في البيت نفسه، وشملت بعض العائلات الخدم والعمال الذين يرتبطون بنشاط العائلة الاقتصادي. مثلاً، كان بعض الشباب من الطبقات العليا يعملون خدمًا للنبلاء ويعيشون في بيوت النبلاء. كما أن كثيرًا من الشباب الذين كانوا يتعلمون حرفة كانوا يعيشون في بيوت العمال المهرة الذين يعلمونهم. وكذلك في الأزمان القديمة كان التعليم الرسمي قاصرًا لحد كبير على أبناء الطبقة العليا. أما في أوروبا فقد أدّت الكنيسة في القرون الوسطى دورًا مهمًا في التعليم، وكانت تدير كثيرًا من المدارس، وكان القساوسة يدرِّسون في تلك المدارس، وكذلك في مدارس كثيرة كانت تديرها الحكومة.

أدى الدين دورًا حيويًا في الحياة في القرون الوسطى، شملت الأديان الكبرى؛ النصرانية في أوروبا، والإسلام في الشرق الأوسط، والبوذية والهندوسية في شرق آسيا. كان للكنيسة تأثير كبير في أوروبا، فقد كان القائمون عليها يمتلكون أكثر الأراضي، ويفرضون الضرائب على الناس، وكانت الكنيسة تقوم بنشاط مهم كالتعميد والزواج وخدمات الدفن. وكذلك كانت الكنيسة تمنع الناس من ممارسة الخدمات الدينية، وذلك عن طريق قدرتها على الحرمان الكنسي، وكان الرجل المعرض لهذا الطرد والحرمان يمثل عارًا شعبيًا، بالإضافة إلى ذلك فإن الناس الذين لم ينتموا إلى الكنيسة كانوا عرضةً لمعاملة قاسية.

الاقتصاد.

كانت معظم الأرض في أوروبا خلال العصور الوسطى تقسم إلى عقارات ريفية تسمى الإقطاعيات أو الإقطاعات. وكان السادة والقساوسة يملكون معظم الأراضي، ويفلحها لهم المزارعون. وبدأ هذا النظام الاقتصادي المسمى بنظام الإقطاع في التدهور خلال القرن الحادي عشر الميلادي، ونزح كثير من المزارعين إلى المدن لكسب العيش. وأصبح بعضهم تجارًا أو حرفيين، ومكث الآخرون يفلحون الأراضي التي تقع خارج المدن، ويساعدون في تموين سكان المدن بالطعام.

أدى نمو التجارة دورًا بارزًا في تقدم المدن الاقتصادي في القرون الوسطى. وقد أخذت التجارة في التدهور بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية؛ لكن البندقية، المدينة الإيطالية، كانت تتجر مع القسطنطينية (الآن إسطنبول) بتركيا، طوال العصور الوسطى. وبقيت البندقية ثرية رغم انحطاط المدن الأوروبية الأخرى. وبعد أن أخذت المدن الأخرى في النمو، اتجرت البندقية معها أيضًا، فنمت مدن وازدهرت، واتجرت كل مع الأخرى، وجلب التوسع التجاري مزيدًا من النمو والثراء للمدن الأوروبية.

شملت المدن التي كان لها الفضل في الإحياء الاقتصادي كلاً من أنتورب في بلجيكا، وبروجز في فلاندرز (بلد قديم منقسم حاليًا بين بلجيكا وفرنسا)، ونانتس وأورلينز وباريس ورون في فرنسا، وكولون وهامبورج ولوبيك في ألمانيا وجنوه وبيزا بالإضافة إلى البندقية في إيطاليا. وشملت مراكز التجارة الشرقية المدن الصينية مثل غوانغزهاو (وتسمى أيضًا كانتون) وهانغ تشو وبكين وسوزهو.

ساعدت الطفرات التقنية أيضًا في تقدم المدن في القرون الوسطى، وقد كانت المنتجات الجديدة تشمل البراميل والحاويات والذخيرة والساعات الآلية والورق والمطابع والصابون. وقد أدى استعمال الماء وقوة الهواء في صنع المنتجات إلى ازدياد الإنتاج وأدى ذلك بدوره إلى ارتفاع مستوى المعيشة، وانتعاش المدن. كما أن اختراع المطبعة ساعد الناس في الحصول على المعلومات عن الأعمال والحكومة بسرعة أكثر من ذي قبل. وقد وسعت الجرائد والكتب المطبوعة تبادل الآراء بين الناس.

استفاد الحرفيون والتجار كثيرًا من التقدم الاقتصادي. وساعد الاتساع التجاري والاختراعات الجديدة الحرفيين على صنع سلع أكثر، وجعل التجار يبيعون أكثر. وقد جذب الثراء الجديد أناسًا أكثر للمدن، مما وفر أسواقًا إضافية للحرفيين والتجار. وقد شكل الحرفيون والتجار طبقة جديدة هي الطبقة الوسطى. وكونوا منظمات العمال التي تسمى بالنقابات، لكي يأمنوا دوام الثراء. فكانت هناك نقابات للتجار وللحرفيين، ونقابات للخبازين، والحدادين والخياطين، والنساجين، والعمال الآخرين. وزاد أعضاء النقابة مكاسبهم بتضامن بعضهم مع بعض. وتحركهم في جماعات جعلهم يشترون كميات كبيرة من المواد والسلع بأسعار زهيدة، وسمحت النقابات لأعضائها فقط بصناعة وبيع المنتجات. وجعلوا عضوية هذه النقابات محدودة لكي ينعم كل عضو منهم بالثراء. النقابات.

نظام الحكم.

نشأ في أوروبا في العصور الوسطى نظام للحكم سُمي الإقطاع. وكان النظام الإقطاعي قد قسم الممالك إلى أقسام تسمى الإقطاعيات، وحكم كل واحد منها سيّد أو قسّيس، وقد أوهن نظام الإقطاع قوة الملوك؛ لأن الملك كان يحكم الأرض التي يملكها فقط وليست المملكة كلها. وكان يحكم المدن السيد أو القسيس الذي يملك الأرض التي يضع عليها يده. الإقطاع. وعندما اكتسبت المدن أهمية خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، بدأ كثير من الناس يتضجرون من تدخل السادة والقسيسين في الشؤون المحلية. فناضل المواطنون من أجل حقهم الذاتي بقيادة نقابات التجار والحرفيين ونجحت كثير من المدن في كفاحها، ونال الناس في ميلانو وبقية المدن الإيطالية الحق في انتخاب مستشارين مسؤولين يديرون حكومة المدينة، ثم انتشرت ممارسة انتخاب المستشارين في أنحاء أوروبا الأخرى. وحققت مدن فلاندرز وشمالي فرنسا درجة عالية من الاستقلال. كان الناس يسنون القوانين وينتخبون المسؤولين حسب إرادتهم. كما أن أعضاء النقابات كانوا يديرون كثيرًا من المدن. وكان بعض الملوك يساندون المواطنين في كفاحهم لنيل حقوقهم. وخلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، حاز كثير من الملوك سلطة على أقاليم كبيرة، وأقاموا حكومات مركزية قوية قلصت من سلطة المدن. أما في البلاد الإسلامية، فقد ظلت الحكومة مركزية طوال فترة العصور الوسطى. كان الملك أو الإمبراطور يتولى تعيين المسؤولين المحليين، بيد أنه كان يتخذ ما يلزم من الإجراءات نحو ترشيح الأفراد المقتدرين. كان على المرشح لوظيفة في الصين أن يجتاز امتحانًا في الخدمة المدنية. ويخضع المسؤولون لرقابة مفتشي الحكومة بعد أن يعينوا.

المدن الصناعية

الثورة الصناعية زادت إنتاج السلع، لكنها جلبت أحوالاً معيشية صعبة في أول أمرها، ونزح عمال المزارع في أوروبا وأمريكا الشمالية إلى المدن ليلتحقوا بالوظائف الجديدة التي ظهرت بالمصانع. لكن معظمهم كأهل لندن (أسفل الصورة) كانوا يعيشون في ازدحام بالقرب من المصانع.

كانت المدن في العالم كله تنمو وتتغير تدريجيًا لحوالي 300 سنة خلت بعد القرون الوسطى. لكن النمط الأساسي للمدن ولحياة المدينة ظل كما هو. وخلال القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر الميلاديين، وهي فترة الثورة الصناعية تغيرت كثير من المدن في أوروبا وأمريكا الشمالية تغيرًا كبيرًا، وأصبحت هذه المجتمعات التي تسمى المدن الصناعية مراكز كبيرة للتصنيع. وقد نتج هذا الرواج الصناعي أساسًا من اختراع الآلات التي تقوم بعمل كثير من الناس، ومن قوة البخار التي تحرك الآلات. وكانت الحياة في المدن الصناعية تتركز حول المصانع حيث يتم التصنيع. وكان معظم الناس في هذه المدن يعملون بالمصانع، ويعيشون بالقرب منها، ويعتمدون عليها كليًا في اكتساب معيشتهم. وأخذت الأحوال المعيشية بالمدن الصناعية تتحسن تدريجيًا خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الميلاديين، لكن عندما بدأت الثورة الصناعية كان معظم الناس مكدودين جائعين يسكنون بأفقر المساكن، معرضين لخطر الموت والمرض. الثورة الصناعية.

لم يكن للثورة الصناعية أثر مباشر على المدن التي تقع خارج أوروبا وأمريكا الشمالية. وقد أصبحت بعض المدن الإفريقية والآسيوية والأسترالية، ومدن أمريكا الجنوبية، صناعية في أواخر القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين الميلاديين، ولم تحظ غيرها بذلك أبدًا.

المصانع التي تراها في مدينة بتسبيرج بولاية بنسلفانيا، بالولايات المتحدة الأمريكية. كان عمال المصانع يضامون في حقوقهم في البداية، لكنهم شاركوا بعد ذلك في الأرباح التي نجمت من نظام المصنع.

الوصف.

تطورت بعض المدن الصناعية عن مدن القرون الوسطى. عندما تصبح المدن مزدحمة جدًا، كانوا يحطمون الأسوار لتتوسع المدينة، وتنشأ مدن صناعية أخرى، حيث يكون هناك حصن، ونقطة تجارية، وقرية أو أرض مفتوحة. وحصل التطور في المناطق المفتوحة بصورة عامة في أمريكا الشمالية، التي لم يكن بها مدن بالعصور الوسطى. ويقوم المصنع أو مجموعة المصانع بالقرب من وسط المدينة الصناعية. وتقوم حولها المنازل البسيطة والمباني ذات الشقق التي كان يسكنها الفقراء. ولم يكن الفقراء يملكون وسائل للمواصلات، لذلك كان عليهم أن يعيشوا على مسافة قريبة من عملهم. وكان كثير من الأغنياء، بمن فيهم التجار وملاك المصانع، يبنون بيوتًا كبيرة في أجزاء المدينة الخارجية، ويملكون عربات تجرها الخيول كانت تقلهم إلى المنطقة المركزية ذهابًا وإيابًا. وهذا النمط من العيش بدّل تمامًا ذلك الذي كان بالمدن السابقة. فقد كان معظم الأغنياء في المدن القديمة خلال القرون الوسطى، يعيشون في وسط المدينة، بينما كان يعيش الفقراء في القطاعات الخارجية. وكان بالمدن الصناعية مشاكل صحية شبيهة بالمشاكل التي كانت بالمدن الباكرة. فقد ولّدت القاذورات والنفايات الأخرى أخطارًا صحية بسبب نظام المرافق الصحية غير المناسب، بالإضافة إلى مشكلة جديدة هي أن تلوث المصانع سبب خطرًا صحيًا. فقد لوثت المصانع الممرات المائية بالنفايات الكيميائية، ولوثت الجو بالغازات الضارة، وخلفت أيضًا أكوام القاذورات، والمعادن الصدئة، والنفايات الأخرى.

إن النمط المتقاطع في تصميم مباني المدينة، والذي ظل مشهورًا إلى اليوم استُخدم على نطاق واسع في المدن الصناعية. وفي ظل هذا النمط يُفصل بين المباني بفتحات متساوية على نحو ما، بينما تشكل مجموعات منها كتلاً مستطيلة. وتفصل الشوارع ـ التي تكون عامة بنفس العرض ـ المباني بعضها عن بعض، وقد كان لكثير من المدن الأولى ترتيب غير منظم للمباني، وطرق متعرجة كثيرة. وقد ساعد النمط المنتظم على امتداد المدن في أي اتجاه، كما أعطى المدينة مظهرًا منتظمًا.

السكان.

ازداد عدد سكان المدينة كثيرًا خلال الثورة الصناعية لسببين أساسيين: أولاً، لأن عدد سكان العالم كان يزداد أسرع من ذي قبل، وثانيًا، لأن التحسينات التي أدخلت في أساليب الزراعة قد قلصت الحاجة إلى عمال المزارع. وتسرب هؤلاء العمال إلى المدن وعملوا بالمصانع. وتعد ُّمانشستر بإنجلترا، وشيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية، خير مثالين على تطور المدن الصناعية الهائل. زاد عدد سكان مانشستر من 6,000 في سنة 1685م إلى حوالي 303,000 في سنة 1851م. وقفز عدد سكان شيكاغو من حوالي 4,000 في سنة 1840م إلى أكثر من مليون نسمة في سنة 1890م. عانى معظم سكان المدن من الظروف القاسية في السنوات الأولى للثورة الصناعية. كان الرجال والنساء وكثير من الأطفال يعملون لأكثر من 12 ساعة في اليوم بمصانع مظلمة قذرة، وكانوا يقومون بأعمال مملة وشاقة، كمتابعة آلة أو حمل مواد ثقيلة. وقد كان للمصانع قليل من قوانين السلامة، إذ قتلت الحوادث أو آذت عمالاً كثيرين. والعمال لا يحصلون من الأجر إلا على ما يسد رمقهم ومن يعولون.

ليتشوورث بإنجلترا صممت في أوائل القرن العشرين على المبادئ التي وضعها أبنزير هوارد. وقد حاول إبنزير وكثيرون غيره أن يزيلوا الازدحام والأقذار عن المدن الصناعية. وكانت مخططات هذه المدينة التي تقع بالقرب من لندن تدعو إلى فضاء مفتوح، وفصل المناطق الصناعية عن المناطق السكنية. وقد أثرت أفكار هوارد هذه في مخططي المدن الحديثة.

وخلال الكساد الاقتصادي، سرََّّحت المصانع أعدادًا ضخمة من العمال، الذين لم تكن لهم أية جهة أخرى يستغيثون بها. وفي بعض الأحيان كان العمال يقومون بانتفاضة للاحتجاج على سوء أحوالهم المعيشية، وكانوا يسكنون في مساكن رديئة البناء وقذرة، وشقق مزدحمة ومجموعة منازل متراصة لا فاصل بينها، ويعيشون في بعض الأحيان في أقبية. وفي فترة من الفترات كان حوالي سدس سكان ليفربول بإنجلترا يعيشون في أقبية. كان التلوث يملأ الهواء والممرات المائية، وكانت الفئران والحشرات تنشر الأمراض. وسقط الفقراء والأغنياء على السواء ضحية التلوث وانتشار المرض. وحتى ثلاثينيات القرن التاسع عشر، كان الأغنياء يفتقرون إلى سباكة المراحيض وأحواض الحمامات. كما أن معظم العمال لم يعرفوا هذه المرافق حتى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وبمرور الزمن تحسّن الوضع المعيشي في معظم المدن الصناعية. فقد أدى نظام الإنتاج الجملي الذي استخدم في المصانع إلى تخفيض تكلفة إنتاج السلع، وهكذا انخفضت تكلفة السلع للمستهلكين، وكوّن معظم عمال المصانع اتحادات للعمال، وهددوا بالإضرابات الجماعية ليدعموا مطالبهم برفع الأجور والإصلاح وتحسين أحوال العمل. وأخيرًا أجازت الحكومات قوانين الأجور والإصلاح التي ساعدت العمال. واتخذت الحكومات الخطوات اللازمة نحو تحسين المرافق الصحية. وقد كانت نسبة قليلة من الناس تملك ثروات عظيمة طوال فترة الثورة الصناعية. وكان ملاك المصانع يكسبون أرباحًا ضخمة، نتيجة لرواج العمل ويدفعون للعمال القليل. ويستثمر رجال المصارف والممولون أموالهم في المصانع الجديدة ويربحون أموالاً طائلة من استثمارهم هذا. ونتيجة لذلك تروج سلع التجار كلما زاد عدد سكان المدينة. وكان هؤلاء الأثرياء يسكنون في منازل ضخمة، كما أن كثيرًا من وسائل الترف كانت في متناولهم.

وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين أنشأت المنظمات الخيرية والحكومات مدارس مجانية في كثير من المدن. وقد أعطت هذه المدارس الأطفال الفقراء فرصة ليتلقوا تعليمًا رسميًا. إلاّ أن معظم المدرسين كان ينقصهم التدريب السليم. كما أن كثيرًا من المدارس كانت تعوزها الكتب المدرسية. وكذلك فإن كثيرًا من الأطفال لم يكونوا قادرين على الذهاب إلى المدرسة، لأنه كان لزامًا عليهم أن يعملوا في المصانع. بينما كان أبناء العائلات الثرية يذهبون للمدارس أوكانوا يتعلمون في منازلهم بإشراف مرشدين.

وكما في الأزمان الوسيطة، كانت المدن تضم أناسًا من خلفيات متنوعة، وكان الناس يميلون إلى الاستقرار مع جيران يماثلونهم في خلفياتهم. لكن مختلف المجموعات كان لها اتصال أكثر ببعضها، خلافًا لما كان عليه الحال في مدن القرون الوسطى. فالناس من جميع المجموعات كانوا يعملون سويًا في المصانع، والأطفال من مجموعات كثيرة كانوا يذهبون لنفس المدارس سويًا. وظل تأثير العائلة على سلوك الفرد أو أفكاره قويًا. إلا أن تأثير الناس خارج العائلة على رفاق العمل والأصدقاء والمدرسين والآخرين، ازداد كثيرًا جدًا.

الاقتصاد.

ازداد نزوح العمال من المزارع إلى المدن، زيادة مذهلة خلال الثورة الصناعية. وأدى الرواج الصناعي إلى توفر فرص العمل بالمدن أكثر من أي وقت مضى. وفي الوقت نفسه أدى التقدم التقني الزراعي إلى تخفيض الأعمال التي كانت متيسرة بالحقول. فمثلاً اختراع آلة الحصاد، جعلت مزارعًا واحدًا يقوم بعمل الكثيرين. لهذا السبب تحوّل عدد كبير من العمال الحرفيين إلى عمال مصانع. كان الحرفيون يقومون بإنتاجهم ببطء، وعادة بمعدات يدوية، لكن عمال المصانع ـ باستخدامهم الآلات ـ كانوا يقومون بالإنتاج بسرعة أكثر. وبدأ عمال المصانع يقومون بصناعة المنتجات نفسها التي كان يصنعها الحرفيون. وهذه السلع المنتجة بكميات كبيرة كانت أسهل صنعًا، ولهذا كان من الممكن أن تُباع بأسعار أرخص من السلع التي كان يصنعها الحرفيون. ووجد كثير من العمال الحرفيين أنهم لا يستطيعون منافسة المصانع.

كان نظام المصانع في التصنيع بداية لأكبر نهضة اقتصادية في التاريخ؛ حيث استطاع الناس بالآلة أن يحرزوا إنتاجًا بسرعة أكثر وأرخص من ذي قبل. وقد جاء توفير تكاليف الإنتاج متزامنًا مع السياسات العادلة تجاه العمال، مما أدى إلى مكاسب كبيرة للعمال، وبازدياد كسبهم، استطاعوا أن يشتروا سلعًا أكثر. أدى ازدياد الطلب على السلع إلى ازدياد الإنتاج. وبنى رجال الأعمال مصانع جديدة، ووسعوا المصانع الموجودة، وأوجد هذا العمل الجديد أشغالاً جديدة لعدد أكبر من الناس، والأشغال الجديدة كانت تعني أن الناس لديهم مال أكثر لينفقوه، وهكذا ازداد الطلب على المنتجات مرة أخرى. وهذا الإجراء في التوسع الاقتصادي لا يزال مستمرًا.

وقد دعم التقدم التقني في المواصلات والانتقال هذا الانتعاش الاقتصادي. فقد أعطى تطور قاطرة البخار رجال الأعمال فرصة إرسال شحنات ثقيلة من المنتجات والمواد الخام عبر مسافات طويلة. وأصبحت السكة الحديدية ـ ومازالت ـ أهم وسائل النقل البريّ. وقد جعل اختراع آلة البرق، ثم اختراع الهاتف، الاتصالات داخل المدن وبينها أكثر فعالية من ذي قبل. وبوجود هذه الاختراعات استطاع المشترون أن يرسلوا الطلبات إلى السلع ويتسلموها بصورة أسرع مما لو استخدموا البريد.

كان على رجال الأعمال التنفيذيين أن ينفقوا أموالاً طائلة للحصول على المواد الخام، وتشييد المصانع، وصناعة الآلات وتشغيلها. وقوبلت التكلفة جزئيًا عن طريق استخدام نظام اقتصادي يسمى بالرأسمالية. وتحت راية الرأسمالية يضع عملاء المصارف والاستثمار بعض المال ليساعد في تمويل العمليات التجارية. وتؤهلهم استثماراتهم للمشاركة في أرباح الأعمال. وفي المدن الصناعية الأولى كان أثرياء الناس هم فقط الذين يستطيعون الاستثمار في مختلف الأعمال، لكن وبمرور الزمن شارك كثير من الناس في هذا النظام.

نظام الحكم.

اضطر ازدياد مشاكل المدينة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، الحكومات لاتخاذ إجراءات لتحسين حياة المدينة. وأجازت حكومات الدول الصناعية قوانين خلال القرن التاسع عشر الميلادي سُنت لمساعدة العمال. وهذه القوانين تضمنت ضوابط لتنظيم عمل الأطفال. واشترطت دخلاً للعمال المتضررين، ولعوائل العمال الذين قتلوا خلال أدائهم للواجب. ونجم عن القوانين الأخرى تحسين الصحة العامة، وتوفير الطعام والمأكل لغير الموظفين.

المراكز الحضرية

المدينة الحضرية مجتمع عملاق، مع وجود الضواحي بالقرب منه. في لوس أنجلوس وغيرها من المدن الصناعية، تربط الطرق الرئيسية وسط المدينة بالمجتمعات التي تحيط به. وهذه الطرق السريعة جعلت ملايين الناس يسافرون من منازلهم بالضواحي إلى أماكن عملهم بالمدن.

توسعت المدن في القرن العشرين الميلادي أكثر من أي وقت مضى. وفي نهاية القرن العشرين الميلادي كان حوالي 2,900 مدينة قد بلغ عدد سكان كل منها أكثر من 100,000 نسمة، وحوالي 225 مدينة بلغ عدد سكان كلٍّ منها مليون نسمة. فبومباي مثلاً، وهي واحدة من كبريات المدن في العالم، بلغ عدد سكانها حوالي 11 مليون نسمة. بينما بلغ عدد سكان نيويورك أكبر مدن الولايات المتحدة نحو 7 مليون ونصف المليون نسمة.

وقد حدث الازدياد المذهل المنتظم في المناطق التي تقع بالقرب من المدن الكبرى، واستقرت أعداد كبيرة من الناس في هذه المناطق في القرن العشرين، وأسسوا مجتمعات هناك تسمى الضواحي. والأعداد الكبيرة من الناس الذين ملأوا هذه المدن يزحمون الآن المدن والضواحي الواقعة حولها. الضاحية.

فالمدينة ذات الضواحي تسمى المدينة الحضرية. والمدينة بالإضافة إلى ضواحيها تسمى المنطقة الحضرية، والمنطقة الحضرية لمدينة طوكيو هي أكبر المناطق الحضرية في العالم، حيث يعيش فيها أكثر من 28 مليون نسمة. كما أن أكبر المدن في العالم اليوم هي جميعها مدن حضريّة. المنطقة الحضرية الكبرى.

أدى الانفجار السكاني دورًا مهمًا في ظهور المناطق الحضريّة. وبحلول عام 1990م أصبح تعداد سكان العالم خمسة أضعاف ما كان عليه في سنة 1850م. وأدى هذا الانفجار إلى اكتظاظ المدن، وجعل كثيرًا من الناس يتحركون إلى الضواحي، كما أدى الانفجار الداخلي، الذي تحرك فيه الناس من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية، إلى بناء المناطق الحضريّة. وكذلك أدى التكثف السكاني، الذي يتحرك فيه الناس من خلفيات عرقية ودينية وقومية متنوعة نحو المدن، دورًا مهمًا في تطور المناطق الحضريّة. وبعد أن تحركت مجموعة الأقليات والفقراء إلى وسط المدن، كالسود في الولايات المتحدة، تحرك كثير من الوجهاء من المدن إلى الضواحي.

وقد أدت التنمية الاقتصادية إلى تطور المناطق الحضريّة. كما أدى الانتعاش الاقتصادي بالدول الصناعية بملايين الناس أن يحققوا مستوى معيشيًا مرتفعًا. ونتيجة لهذا استطاع كثير من الناس أن يبتاعوا المنازل الغالية في ضواحي المدن. وقد عجّلت السيارة ـ وهي من أهم مظاهر تقدم وسائل النقل في القرن العشرين ـ تطور المناطق الحضريّة، وأصبحت من ضرورات الحياة لملايين الناس. وفي تسعينيات القرن الثامن عشر الميلادي كانت السيارات حديثة جدًا وغير عادية إلى درجة أنها كانت تعرض في السيرك. واليوم، توجد حوالي 400 مليون سيارة خاصة في العالم. والغالبية العظمى من هذه السيارات توجد عند الأمم المتقدمة. وقد أتاحت السيارات لملايين الناس أن يسكنوا بعيدًا عن مكان العمل أو المدرسة والأسواق المركزية. السيارة. وساهمت قطارات رحلات العمل والتي تقل كثيرًا من العمال الريفيين بين منازلهم وأعمالهم هي الأخرى في تطور المنطقة الحضريّة. ويمكن للناس أن يسكنوا في الضواحي ويعملوا في وسط المدن في الوقت نفسه.

التجديد الحضري حوّل الأحياء القذرة المزدحمة بالسكان إلى مناطق جذابة في معظم المدن الصناعية. هذه الصور لموقع تجديد حضري في شيكاغو، وتبين كيف أن المباني المتصدعة (إلى اليمين) قد استبدلت بها مساكن حديثة قليلة التكلفة (يسارًا).

الوصف.

المدن المعاصرة أكبر بكثير من تلك التي كانت توجد في الأيام السابقة. ففي القرن الخامس عشر الميلادي مثلاً، كانت باريس تغطي حوالي 8كم² لكنها الآن تغطي حوالي 105كم²، وتمتد المنطقة الحضرية الكبرى بها حوالي 480كم².

ومعظم المدن الحضريّة تتميز بمظهر خارجي متشابه. ويقع قطاع الأعمال الرئيسي والذي يسمى أحيانًا قلب المدينة في مركز المدينة، وهو من أكثر أجزاء المجتمع نشاطًا وازدحامًا، إذ يعمل الناس من كل أرجاء الحواضر بالمكاتب والمحلات التجارية هناك، ويتسوقون فيها، وقطاع الأعمال فيها يغطي مساحة صغيرة، لكنه يقدم خدمة لآلاف الناس يوميًا، إذ إن كثيرًا من المكاتب والمحلات التجارية توجد في المباني ذوات الطبقات المتعددة. وتلي مركز المدينة ـ محيطة به أو بجانبه مباشرة ـ منطقة صناعية توجد بها المصانع والمخازن وأحواض السفن. أما المناطق السكنية، والتي يسكن بها معظم الناس، فتبدأ بعد المنطقة الصناعية، وتقع المنازل القديمة والمتصدعة بالمنطقة السكنية بالقرب من مركز المدينة. ويسكن معظم الفقراء في هذه المنطقة، والتي غالبًا ما تسمى المدينة الداخلية. وقد تولت الحكومات مسؤولية مشاريع التجديد الحضرية في كثير من المدن الداخلية. ومن خلال هذه المشاريع، تحولت بعض أسوأ المباني رداءة إلى مساكن حديثة قليلة التكلفة. ويحتوي جزء كبير من هذه المباني على شقق بالمباني العالية. وقد أصبحت المناطق المجاورة لها حديثة وجذابة وبعيدة عن المدينة الداخلية. وتوجد أفضل المنازل بالقرب من أطراف المدينة وبضواحيها. ولكل منطقة سكنية متاجرها الخاصة. وفي منتصف القرن العشرين أنشئت كثير من المصانع بعيدًا عن القطاعات الصناعية المركزية بالمدن وبخاصة الضواحي.

وغالبًا ما تزدحم الطرق الرئيسية بالمدن والضواحي بالسيارات والحافلات والشاحنات، وفي مثل هذه الأوقات تزحف حركة المرور ببطء مسببة تأخير وغضب أعداد ضخمة من الناس. ونتيجة لهذا أقيمت طرق عريضة أساسية لتساعد في احتواء مشاكل حركة المرور. وبالرغم من ذلك فإن عدد السيارات قد ازداد بدرجة كبيرة مما جعل الاختناقات المرورية تحدث في هذه الطرق، كما تحدث في الشوارع.

وما زالت كثير من المدن بالبلدان النامية تعاني من نظم بائسة لإزالة الأوساخ والفضلات، لكن ـ وبصفة عامة ـ فإن مدنًا في بلدان أخرى تملك مرافق صحية مناسبة. ومن ناحية أخرى، فإن هذه المدن لديها مشكلة بيئية خطيرة ألا وهي التلوث. وتتسبب السيارات والمصانع ومحطات الطاقة الكهربائية ومصادر أخرى في تلوّث الهواء الذي يعلق أحيانًا كالضباب القذر. ويهدد الهواء الملوث، مثلما كانت تفعل الفضلات في الأيام الخالية، صحة منْ يقطنون بالمدن. وبالإضافة إلى ذلك، فإن فضلات المدن التي تصب في الممرات المائية تقضي على الأسماك وتجعل الممرات غير صالحة للسباحة.

السكان.

أخذ عدد سكان الأماكن الحضرية في الازدياد منذ الثورة الصناعية، ويعيش الآن حوالي خُمسي سكان العالم في مناطق حضرية. ومنذ عام 1945م فإن ازدياد سكان الضواحي كان أكثر ازدهارًا منه في المدن. وبالجملة فإن سكان المناطق الحضريّة في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية واليابان يتمتعون بأعلى مستوى معيشي في الوقت الحاضر. وازداد عدد الأثرياء وأصحاب الدخول المتوسطة أكثر من ذي قبل.

ويتمتع كثير من سكان المناطق الحضريّة بمساكن طيبة، ويرسلون أطفالهم لمدارس جيدة الإعداد، وعندهم ما يكفي لضرورات الحياة، وكثير من الكماليات. وقد استفاد العمال في كل الوظائف من الانتعاش الاقتصادي ومن تنامي قوة الحركة العاملة في القرن العشرين. ومع ذلك فإنّ كثيرًا من الناس يعيشون في فقر مدقع، كما كان حاصلاً على امتداد التاريخ. ووجود الفقر وسط الثروة يعتبر من المشكلات الرئيسية بالمدن المعاصرة. يريد الفقراء أن يشاركوا في الثروة العامة، لكن كثيرًا منهم لا يستطيعون تحسين أحوالهم الاقتصادية. ربما يعوزهم التعليم والتدريب الذي يؤهلهم لنيل الوظائف الطيبة. لكن كثيرًا من الناس يحرمون التعليم اللائق أو السكن المناسب نتيجة لنوع من أنواع التمييز. ويسكن معظم الفقراء في وسط المدينة الداخلية التي تتميز بالمباني المتصدعة المزدحمة المتلاصقة. وقد قسمت كثير من الشقق بحيث تسكن أكثر من عائلة في أماكن مخصصة أصلاً لعائلة واحدة.

ويصنف علماء الاجتماع النسبة الكبيرة من الناس الذين يسكنون بالمناطق التي تبعد قليلاً عن وسط المدينة كطبقة متوسطة دنيا. ويعيش هؤلاء الناس حياة أكثر رخاء من حياة الفقراء، لكنهم لا يرتقون إلى مستوى أولئك الذين يبعدون أكثر منهم في المدن الداخلية، إذ إن لهؤلاء منازل قديمة وصغيرة الحجم، لكنها في حالة جيدة وأقل ازدحامًا من المساكن في المدينة الداخلية.

يسكن أكثر الأغنياء ومتوسطو الدخل على حدود المدينة أو بالضواحي، ومنازلهم أكبر وأحدث وأكثر رفاهية من المنازل التي تقع بالداخل. وأكثر هذه المنازل لها حدائق خلفية كبيرة، حيث تتسلّى العائلات وتسترخي بحرية. وفي منتصف القرن العشرين، اتجه بناء المباني الفارهة إلى أعلى في الضواحي. كما بُنِى بعضها الآخر بالقرب من قطاع الأعمال بالمدينة.

وفي بداية القرن العشرين كان الناس قد أخذوا يتحركون تدريجيًا للنواحي الخارجية للمدن وإلى الضواحي، وازدادت هذه الحركة كثيرًا بعد الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945م). وكان الناس يتحركون خارج المدينة ليبتعدوا عن المناطق التي يرتفع فيها معدل الجريمة، ولكي ينعموا بالسكن الأفضل، والأكثر نظافة وأكثر هدوءًا وأقل ازدحامًا. وهم يعتقدون أيضًا أن أطفالهم سيحصلون على تعليم أفضل من ذلك الذي يجدونه وسط المدينة. وقد انتُقِدتْ المدارس بوسط المدن على أنها أردأ إعدادًا من أن تقوم بتعليم الأطفال كما ينبغي.

الاقتصاد.

مازال الانتعاش الاقتصادي الذي بدأ خلال الثورة الصناعية والقرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين مستمرًا حتى الآن. وزادت الأسواق التي خصصت للمنتجات التي تصنع بالمدن نماءً. وأوجد الانفجار السكاني مزيدًا من المستهلكين لمزيد من السلع، وجعلت مستويات المعيشة المرتفعة الناس يشترون حجمًا أكبر من المنتجات، ووسعت كثير من الأمم تجارتها مع المدن الأخرى، لكي تجد سوقًا جديدًا لمنتجاتها. وجعلت التطورات التقنية كثيرًا من المنتجات الجديدة متيسرة. وتعتمد اقتصاديات الأمم بشدة على كثافة المبيعات لمنتجات السيارات والأفران الكهربائية والغازية والثلاجات وأجهزة التلفاز وآلات الغسيل الجاف.

والمدن الحضريّة، كالمدن الصناعية هي مراكز للتصنيع، وتوفر أعمالاً لآلاف من عمال المصانع، ولكن المدن المعاصرة أيضًا توفر عددًا كبيرًا من الوظائف لعمال في مئات الأعمال الأخرى. ويعمل البائعون في بيع منتجات المصنع، ويحركها عمال النقل من مكان إلى آخر. ويساعد موظفو المكاتب في إدارة الأعمال بسهولة ويسر. ويقوم عمال الإنشاء ببناء المكاتب والمصانع التي يحتاج إليها توسيع الأعمال، ويقيمون وحدات سكنية لعدد السكان المتزايد. وقد وظفت الحكومات محاسبين ورجال إطفاء وأخصائيين في الصحة، ومحامين ومهندسي طرق ومشذبي أشجار وعمال صحة وكثيرًا من المجموعات الأخرى من المستخدمين لإدارة شئون المدن.

وقد دعمت التنمية الاقتصادية في أوائل القرن العشرين مئات الابتكارات التقنية، التي تشمل استخدام الكهرباء والنفط لتشغيل الآلات، وتطورت صناعات البلاستيك والمواد الأخرى لتصنيع منتجات جديدة. أما التطورات التقنية الأخرى فكانت تتمثل في الراديو والتلفاز والأقمار الصناعية للاتصالات، والسيارة والطائرة للنقل، والحاسوب ليتولى المعلومات التي تطلبها الاقتصاديات المعقدة. وتشمل المهن التي أوجدها التقدم التقني مهن ملاحي الطائرات ومشغلي الحاسوب والكهربائيين والميكانيكيين ومشرفي محطات الوقود.

وقد أصبح النشاط الاقتصادي بالمناطق الحضريّة لا مركزيًا إلى حد كبير. ونشأت كثير من شركات الأعمال والمصانع في الضواحي بينما احتفظت بمكاتبها في المدينة.

نظام الحكم.

أصبحت حكومات المدن منظمات ضخمة ومعقدة، وهي تواجه واجبات التحدي في توفير الخدمات لآلاف الملايين من الناس، وتساعد في إعادة بناء وسط المدينة. وقد اضطرت هذه الحكومات للحصول على التمويل الذي تحتاج إليه للقيام بعملها، وازدادت المشاكل بازدياد عدد السكان الحضريين. لمزيد من المعلومات المشكلات الحكومية في هذه المقالة.

مشكلات المدن

المدن هي المراكز الثقافية والاقتصادية والحكومية والسكانية، ومراكز المواصلات والاتصال في العالم. وهي الأماكن التي يجد فيها الناس عملاً، ويكسبون عيشهم، وحيث يجمع بعض الناس ثروة ضخمة أو متوسطة. وفي المدن يستطيع الناس أن يختاروا من النشاطات المتنوعة الثقافية والترفيهية ما يزيد في متعة الحياة. وبالرغم من ذلك، توجد بالمدن مشاكل كثيرة طبيعية واجتماعية واقتصادية وحكومية.

الإسكان غير اللائق هي واحدة من أكثر مشكلات المدن خطورة. فبالرغم من جهود الحكومة لتحسين الإسكان، ما زالت كثير من المساكن البائسة مثل هذه الأكواخ بنيودلهي بالهند باقية.

مشكلات البيئة العمرانية.

تشمل هذه المشكلات الإسكان غير اللائق والتلوث والاختناق المروري. يشير مصطلح الإسكان دون القياسي إلى بؤس التشييد والتصدع وعدم وجود المرافق الصحية أو السكن المزدحم جدًا. يعيش ملايين الناس في البلدان النامية في أكواخ بدائية أو مساكن لا تتوفر فيها الشروط الصحية. لكن الناس في الدول المتقدمة أحسن حالآً من هؤلاء. وبالرغم من ذلك، فإن بعض المنازل دون المستوى القياسي حتى في الدول المتقدمة. ففي أوائل السبعينيات من القرن العشرين كانت حوالي 5,5% من المنازل الحضرية المأهولة في الولايات المتحدة الأمريكية تعد غير لائقة. وقد وضعت الحكومات برامج لتتخلص من الإسكان غير اللائق، ولكي توفر إسكانًا كريمًا للعائلات المحتاجة. وبالرغم من ذلك، فإن النمو السكاني والقصور المالي وارتفاع تكلفة التشييد وعوامل أخرى، أوجدت أزمة الإسكان العالمية. وقد نوقش الإسكان غير اللائق، والمحاولات التي جرت لحل المشكلة بتفصيل في مقالة السكن.

تلوّث السيارات والمصانع ومحطات القدرة الكهربائية والمصادر الأخرى الجوّ بالأبخرة التي تهدد حياة الناس، كما أن الفضلات التي تفرزها المصانع والمصادر الأخرى تلوث الممرات المائية، لكن الأشياء التي تسبب التلوث نفسها، هي التي تدعم اقتصاد المدينة وتريح الناس. وربما تريد حكومة ما أن تقضي على التلوث نهائيًا، وتبعد كل مصادر التلوث. ولكن كي تفعل ذلك، لا بد لها أن تعطل المصانع ومحطات القدرة الكهربائية وتمنع السيارات، وهكذا تشل اقتصاد المجتمع ولا تريح الناس. وبدلاً من ذلك، يجب على الحكومات والقطاع الصناعي ورجال العلم أن يبحثوا عن أساليب تقلل التلوث دون أن تعوق طريق الحياة الحضري. تلوث الهواء؛ تلوث الماء.

التنقل في المدن صعب في أغلب الأحيان، ولابد للناس أن يتزاحموا في القطارات والحافلات، ولا بد أن يقودوا سياراتهم على طرق مكتظة. وفي طوكيو (أعلاه)، يتدافع العمال لركوب القطارات.

ربما تصبح الشوارع العامة بالمدن والضواحي مكتظة بالسيارات في أي وقت. خاصة خلال ساعات الازدحام في الصباح والمساء. إن مثل هذا الاكتظاظ في حركة المرور، يؤخر ويغضب الناس الذين يريدون الذهاب إلى العمل، أو إلى أي مكان آخر. وقد أقامت الحكومات الطرق الجديدة، وحاولت أن تحسن المواصلات العامة، واتخذت تدابير أخرى لتخفف اختناق حركة المرور. ومع ذلك فإن الانتقال من مكان إلى آخر بالمناطق الحضريّة أصبح أكثر صعوبة، نتيجة للنمو السكاني ولاستخدام السيارات المتزايد على الدوام.

المشكلات الاجتماعية.

تشمل المشكلات الاجتماعية في المدن المعاصرة الاحتكاك بين الأفراد المنحدرين من ثقافات مختلفة والجريمة وانحراف الأحداث وتعاطي الكحول وإدمان المخدرات والفقر، الذي هو مشكلة اجتماعية واقتصادية معًا. أدى التكثف السكاني إلى الصراعات بين المجموعات البشرية، إذ غالبًا ما تخشى المجموعات التي تنتمي إلى خلفيات ثقافية مختلفة بعضها بعضًا، وتحتقر كل منها طريقة الأخرى في الحياة. وقد أدى مثل هذا الاتجاه إلى نشوب العنف بين المجموعات البشرية. وتشمل نماذج القرن العشرين الصراعات بين البروتستانت والكاثوليك بأيرلندا الشمالية، والهندوس والمسلمين بالهند وباكستان، والسود والبيض بجنوب إفريقيا والولايات المتحدة الأمريكية، والمجموعات اللغوية بالهند. وقد أجازت الحكومات في بعض الأماكن قوانين لتحمي الأقليات من الظلم الواقع عليها. لكن ذلك لم يغير من واقع الحال كثيرًا. وتكمن أسباب السلوك غير المتحضر، كالجريمة وانحراف الأحداث وتعاطي الكحول وإدمان المخدرات، في عجز بعض الناس عن التأقلم مع الحياة الحضرية، الشيء الذي جعل بعض الناس يشعرون بأنه لا مكان لهم في المجتمع. وربما يساعد التطبيق الصارم للقانون في تخفيف هذه السلوكيات غير المتحضرة، لكن المشكلة لا تزال ماثلة إلا إذا أزيلت أسبابها. وقد أسست المنظمات الخاصة والحكومية لتحاول التقليل من السلوك غير الاجتماعي، وهذه المجموعات تُذيع الأخطار الناجمة عن مثل هذا السلوك، وكذلك تعمل على مساعدة المجرمين السابقين والأحداث المنحرفين والذين يتعاطون الكحول ومدمني المخدرات لتجاوز مشاكلهم وإعادة تأهيلهم لأخذ مكانهم في المجتمع.

مشهد من شارع مزدحم. تعم مثل هذه المشاهد بالقاهرة في مصر، وسائر مدن العالم. تحتل المدن أجزاء صغيرة من أراضي العالم، إلا أن ما يزيد على 40% من نسبة السكان يقطنون المدن أو قريبا منها. غير أن النسبة المئوية في ارتفاع مطرد.

المشكلات الاقتصادية.

يتمتع معظم الناس في المدن في البلدان المتقدمة بمستوى معيشي عال، إلا أن بالمدينة كثيرًا من الفقراء. لقد كان الفقر دائمًا موجودًا، لكن ثراء المدن الراهنة الطائل يسلط الضوء على المشكلة، حيث يرى الفقراء غيرهم يتمتعون بالحياة الطيبة، فيزداد شعورهم بالسخط تجاه وضعهم الخاص. وشعور الفقير بالغضب نحو المجتمع يؤدي في بعض الأحيان إلى الشغب، لذلك تعمل الحكومات والأفراد والمنظمات الخيرية والاجتماعية لإزالة الفقر، ويحاولون تحسين فرص التعليم والعمل للفقراء، ويمدون كثيرًا من الفقراء بالعون الاقتصادي. الفقر.

تؤدي العوامل الاقتصادية والاجتماعية المعقدة في بعض الأحيان إلى هبوط سوق العمل. وخلال فترة الكساد يفقد كثير من العمال وظائفهم، ويزداد عدد الفقراء والمحتاجين بالمدن. ويستطيع العمال أن يحصلوا على دخل مقابل تعطلهم عن العمل، لكن هذا الدخل أقل كثيرًا من دخلهم الطبيعي. ولا بد للعامل المتعطل أن يقلل من نفقاته ويعاني سوق العمل من جراء ذلك.

المشكلات الحكومية.

أصبح حكم المدن عبر السنين، أشد تعقيدًا. أما اليوم فإن حكومة المدينة تجد نفسها تحت ضغوط كثيرة لكي تعيد بناء المناطق القديمة المتصدعة، وتوفر المدارس الكافية والحماية الأمنية والخدمات الضرورية الأخرى. كما أن النمو السكاني والتغير والنقص في مصادر التمويل وعدم وجود السلطة وصراع السلطة، كل ذلك يساهم في صعوبة حكم المدن. ويعني نمو سكان المدن المستمر أنه يجب على الحكومات أن توفر الخدمات لعدد من الناس يزداد باطراد. أيضًا فإن كثيرًا من الناس الذين يزحفون نحو المدينة فقراء، وكثيرًا من الذين يزحفون خارجها أغنياء. وهذا التطور يعني أنه يجب على حكومة المدينة أن توفر المساعدة الاقتصادية لجزء كبير من السكان. وتعني أيضًا أن الذين يسكنون المدن هم أقل الناس استطاعة على دفع تكاليف الخدمات التي تقدمها الحكومة. أما الأثرياء الذين يتجهون نحو الضواحي فقد يستمرون في العيش بالمدينة لكنهم لا يدفعون ضرائب لمساندة الحكومة. وتتقلص مصادر ضرائب المدينة عندما تنتقل المصانع إلى الضواحي. وتساهم الحكومات المركزية في تكاليف إدارة المدن. وبالرغم من هذه المساعدة، تواجه المدن أزمة اقتصادية خطيرة. إن حكومة المدينة هي جزء من نظام سلطوي معقد. وتخضع حكومة المدينة للوائح الحكومة المركزية، وتخضع المدن في بعض الأقطار، إلى لوائح الحكومات الإقليمية كتلك اللوائح التي تحكم الدول والمقاطعات. وفي بعض الأقطار ربما تختار المدينة شكل الحكومة التي تريد، وتكون لها إلى حد كبير الحرية في إدارة الأمور المحلية. وفي حالات أخرى يقرر التشريع المركزي الشكل الذي يمكن أن تكون عليه المدينة، وكذلك يقرر التشريع كثيرًا من سياسات حكومة المدينة، كنوع الضرائب ومقدارها. وغالبًا ما يصوت أعضاء المجلس التشريعي من المناطق الريفية، ضد الإجراءات التي تصمم لدعم المناطق الحضرية. وتشمل هذه الوحدات المدينة والضاحية والمقاطعة وحكومات المدن الريفية ومراكز المدارس والمراكز الخاصة. وتشمل المراكز الخاصة الوحدات الحكومية التي تقوم بجمع النفايات ومحاربة البعوض والتخلص من مياه الصرف وإدارة المتنزهات. وليس لوحدة حكومية واحدة سلطة على المنطقة كلها. ومن ثم فإنه ليس لأي وحدة سلطة أو مسؤولية التصرف في مشاكل المنطقة بأجمعها، كالتلوث وحركة النقل الجماعي. وقد أسست الحكومات الحضريّة في بعض المناطق الحضريّة لتمثل السلطة الكلية. والحكومة مسؤولة عن شؤون المنطقة بكاملها مثل بسط الأمن وإمداد الماء والمواصلات الجماعية والخدمات الأخرى التي يمكن التحكم فيها بكفاءة بوساطة سلطة عامة للمنطقة كلها. وهم يخشون أن تسفر هذه السلطة عن ضرائب باهظة، ويعتقدون أن الحكومة المحلية الصغيرة فقط هي التي يمكن أن تكون قريبة من الشعب. الحكومة المحلية.

حل مشكلات المدينة.

بذلت المدن بعض الجهود نحو حل مشاكلها، لكن مازال الكثير منها ينتظر التنفيذ. وربما تحل بعض هذه المشاكل على نحو ما إذا تيسر مزيد من المال أكثر مما هو متوفر الآن. وتأتي معظم النفقات من الضرائب التي يدفعها المواطنون ورجال الأعمال. ويفضل بعض الناس الاستخدام المكثف لمال الضرائب في التطوير الاجتماعي وبعضهم يعارض ذلك. وكذلك يمكن استخدام لوائح الحكومة في حل المشاكل. مثال ذلك يمكن للحكومة أن تطالب منتجي السيارات أن يصنعوا السيارات التي لا تلوث الجو، كما تفعل سيارات اليوم. وكذلك يفضل بعض الناس لائحة حكومية شاملة كحل للمشكلة، ويعارضها بعضهم الآخر.

ولا يمكن حل مشاكل المدينة تمامًا حتى لو فضل كل واحد استخدامًا واسعًا لمال الضرائب ولوائح الحكومة. ولا تستطيع بعض الحكومات ببساطة أن تحصل على المال الكافي لتخفيف بعض المشاكل كالفقر والإسكان غير اللائق، كذلك فإن المال لايمكن أن يغير موقف بعض الناس تجاه الآخرين. وبالإضافة إلى ذلك، فإن نظم الحكومة لها صلاحيات محدودة في حل مثل هذه المشاكل، كما يبين مثال محاربة التلوث بقسم المشاكل الطبيعية في هذه المقالة.

مدن المستقبل

قام علماء الاجتماع بتنبؤات مختلفة عن المجتمعات الحضرية في المستقبل واقتنعوا بأن المدن الحضريّة، ستواصل نموها في السكان والمكان معًا. ففي عام 1988م كان سكان المناطق الحضرية في مختلف أنحاء العالم حوالي 2,25 بليون نسمة. ومن المتوقع أن يصل هذا الرقم إلى 4 بليون نسمة في العام 2010م. كانت بعض المجتمعات الحضرية الجديدة قد بنيت في القرن العشرين، وسيبنى في القرن الحادي والعشرين المزيد منها. وستوفر هذه المجتمعات المستقبلية مثل الضواحي الحالية، مكانًا للسكن، وستحل مشكلة الازدحام التي سببها الانفجار السكاني تكثّف السكان. ويتوقع المخططون أن توفر هذه المجتمعات الجديدة على العكس من الضواحي الحالية عملاً لمعظم سكانها، ولو فعلت ذلك لخف الازدحام بصورة أكثر. وتسمى المجتمعات التي تتصف بهذه الأشكال من المساندة الذاتية القرى الجديدة أو المدن الجديدة. وقد كانت لبريطانيا والدول الإسكندينافية القيادة في تطوير المدن الحديثة، وقد وفرت حكومات هذه الدول الدعم المالي لهذا التطور. وفي الولايات المتحدة، حيث يؤدي القطاع الخاص دورًا كبيرًا، أنشئ عدد قليل فقط من هذه القرى الجديدة عن طريق هذا التطور المالي المدعوم.

أنشأت البرازيل في منتصف القرن العشرين عاصمة جديدة هي برازيليا، وأقامت الحكومة البرازيلية هذه المدينة في وسط القطر قليل الكثافة السكانية. ويؤمل أن وجود مدينة جديدة بهذه الأهمية هناك سيؤدي إلى المزيد من تطوير المنطقة الوسطى. كما أن تطور القرى الجديدة والمدن إجراء بطيء مكلف. إن الأشخاص العاملين في التطوير كانوا مترددين في قبول مثل هذه المشاريع نتيجة للشك والانتظار الطويل للربح. وقد كانت حكومات كثيرة غير قادرة أو لا تريد أن تمول المشروع. ولهذه الأسباب فقد تنبأ علماء الاجتماع بأن معظم الوافدين الجدد الذين سيسكنون في المناطق الحضرية في المستقبل سيزاحمون المجتمعات الراهنة، وستمتلئ مساحات أكثر وأكثر من الأرض حول المدن المركزية بهؤلاء الناس. وستمتد الضواحي متسعة لحد بعيد، حتى إن بعض المناطق الحضريّة ستتصل مع بعضها دون وجود مناطق ريفية بينها، وهذا الامتداد يسمى العاصمة المليونية. وتنبأ علماء الاجتماع بالتغير الطبيعي في المناطق الحضريّة، ويتوقع معظمهم أن تؤدي الحكومات دورًا أكبر في تصفية المساكن المتصدعة، وفي تخطيط المناطق الحضرية وتنظيم شؤونها. وقد يسمح ببناء المباني المرتفعة لاستيعاب الزيادة السكانية في الأماكن التي تمنع فيها الآن. وقد تخصص الحكومات مساحات أكبر من الأرض للمتنزهات والمناطق الترفيهية. وربما حاولت الحكومات حل مشاكل المرور وضمان السلامة، بإنشاء طرق جديدة منفصلة للسيارات والشاحنات والمشاة. تخطيط المدن. ومن المؤكد أن تستمر هذه الجهود في تخليص المدن من التلوث. وربما أغلقت المجتمعات الحضرية كلها في قباب بلاستيكية. ويمكن ضبط الحرارة والرطوبة داخل القباب، وسيجعل المصفى الإلكتروني الجو نظيفًا ومنعشًا. ومن المتوقع أن تكون في مُدن المستقبل وضواحيها محاسن الحياة الحضرية دون مساوئها.

أسئلة

  1. اذكر بعض الأسباب التي جعلت كثيرًا من الناس يسكنون داخل المدن وبالقرب منها.
  2. اذكر بعض مشكلات المدن.
  3. ما الانفجار السكاني؟ والانفجار الداخلي للسكان؟ والكثافة السكانية؟
  4. كيف استطاعت المدن في القرون الوسطى أن تحل مشكلة الازدحام السكاني؟
  5. أي المدن الأوروبية بقيت مركزًا تجاريًا طوال العصور الوسطى؟
  6. كيف ساهم تدهور المنازل الكبيرة في نمو المدن؟
  7. لماذا يستطيع قطاع الأعمال الصغير الذي يشغل حيزًا صغيرًا أن يخدم آلاف الناس يوميًا؟
المدينة
  • 5.00 / 5 5
  كيف وجدت هذا المقال؟  
طباعة هذه المقالة طباعة هذه المقالة